محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٣٨

فإذا لم يثبت بناء على هذا الوجه الأخير أنه لم يكن ناويا قصد قريش، وإنما كان قصده الحقيقي مصالحة بني ضمرة، فقد ثبت مدّعانا وهو أن غرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - مجرد الإرهاب لا القتال حقيقة.

هذا ما كان من سراياه، أما ما كان من غزواته الثلاث الأولى التي وقعت تحت قيادته، وهي غزوات: ودّان، فبواط، فالعشيرة، فإننا إذا تأملنا أمرها نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصل إلى ملتقى العير مؤخرا، ثلاث مرات متوالية.

أرأيت لو كان محمد -اليقظ النبيه والحازم الحذر- يقصد منازلة قريش حقًّا، وقطع الطريق عليها، أتراه يمكّن العير من فواته ثلاث مرات متتابعة؟ أم تراه يأخذ حيطته في الثانية أوالثالثة إذا فاتته في الأولى؟ وعليه فهي المكيدة الحربية ينتهزها القائد العظيم، فتحدث من التأثير في بعض الأحيان ما لا تحدثه قوة المجالدة وصدق المصاع (كذا؟).

ومما يؤيّد ما تقدم، أن دولة الإسلام لا تزال في دور التأسيس، تتطلب من الهدوء والسكون أكثر ما يمكن، حتى إذا انتظمت قواتها واتسق أمرها وارتكزت على أساس مكين، أمكنها البروز إلى الميدان، سيما وهو يتوقع مصادمة قوة تفوقها عددا وعدة، وعليه فلا بد له من التريث والاستعداد، ولا بد له من إحكام التدابير وأخذ الحيطة. ولن يتم ذلك إلا مع الهدوء، وتجافي المنغصات ولو مؤقتا.

٣٨ / ١٤٢