محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٣٩

وأي مزعج أو مقلق للرسول - صلى الله عليه وسلم - أشد من قريش الباغية، قريش الطاغية، التي ناصبتهم العداء أيام كان هو وأصحابه عُزْلاً إلا من عدة الإيمان التي تذلل العقبات، وقوة اليقين التي تندكّ أمامها الرواسي الشامخات. آذتهم وطاردتهم كلصوص، في وقت لم تتوجس من جانبهم أي خيفة، ولم تخش منهم خطرًا على مركزها، فكيف تنام لها عين أو يهدأ لها خاطر، أو يطيب لها عيش، وقد أصبح من وترتهم بقوس ظلمها، وأخرجتهم ظلمًا وعدوانا -وهم هم حسبا ونسبا- من ديارهم وأموالهم، أصبحوا قوة متماسكة، ووحدة ملتئمة، وكتلة متعانقة متراصة، تسندهم قوة الأنصار العتيدة، وتفديهم بالنفس والنفيس؟

لا جرم إذا أحست قريش بشرٍّ مستطير يزحف إليها من ناحية يثرب، وإن خفي عليها وقته، وأن حب البقاء ليدعُّ بها دعًّا إلى القضاء على هؤلاء قبل أن يستفحل أمرهم ويتفاقم خطرهم. بيد أنهم لا يدرون متى وكيف يتوصلون إلى تحقيق ذلك. فلا غرو أن يدرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الألمعي الملهم، ما يدور بخلدهم، فيعمد بما أوتيه من قوة دهاء إلى أسلوب جديد غير معروف وقتئذ، يطلق عليه في عرف هذا العصر بـ "حرب الأعصاب".

وهكذا يغزو نفوسهم، ولا يترك لهذه الفئة الباغية مجالا فسيحا، تقلب فيه الرأي في هدوء وسكينة، فلا أقل أن يشوّش عليها مجرى التفكير بهذه المظاهرات، فيصرف نظرها عن الهجوم إلى الدفاع، ويشعرها بالخطر الذي يهدد كيانها، وينذر سيادتها بالزوال، وهو بعدُ تقهقرٌ، وأنت خبير أن التقهقر طليعة الانهزام، وارتجاجَ القدم -لا أبا لك- يعقبه السقوط.

٣٩ / ١٤٢