محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤٠فإذا كانت قريش تستضعف النبي ومن آمن به إبان قِلّتهم وقبل انضمام الأوس والخزرج إليهم، أفَيَليق بها والحالة هذه أن تستهين بهم وقد أعز الله جانبهم بهؤلاء الأبطال، الذين رضعوا لبان الحرب ودرجوا من أحضانها؟. وإن مائة وعشرين سنة في التناحر لدليل قاطع على صلابة عودهم، وشدة شكيمتهم، وأنهم لصُبُرٌ عن اللقاء، مساعير للهيجاء. لا شك وأن يزلزل كيانها هذا الاتحاد ويزعجهم أشد إزعاج. لذلك نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمكّن تلك الخوطر من نفوسهم بتلك المناورات، فيغزوهم بها قبل أن تصل إليهم جنوده، ولا غرو فقد نصر بالرعب فهو يسير أمامه شهرًا.
وعليه، فقد تحصحص أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقصد بسراياه وغزواته –زيادة على ما تقدم- أمورا:
1. إعداد نفوس الصحابة إلى التشمير عن ساعد الجد لنشر الدّعوَة الإسلامية وتوطينها، على أن يجهابوا في سبيل ذلك قوات تفوقهم عَددا وعُددا أضعافًا مضاعفة، وإشعارهم بدنوّ ساعة الخطر، وقرب الموعد المنتظر.
2. إشغال قريش عما عسى أن تحدّثه به نفسها من مهاجمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقره الجديد على حين غفلة، وإيقافها ريثما يأخذ أهبة لدفع عدوانها وتحطيم قواتها.
3. إفهامها بأنه أصبح بحكم مركزه الجديد يتحكم في مصيرها، وأن في إمكانه أن يأخذ عليها طريق تجارتها بين مكة والشام، التي هي قوام حياتها وعماد وجودها.
4. حملها على الاعتراف بهذا المركز القوي، فعليها استنزال طائرها لعقد هدنة معه، مثلا. هذا وأنت خبير أنه إذا حصل على هذه الغاية كان قد حصل على فوز باهر وقطع خطوات في سبيل هيمنته.