محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤حياة الرسول الأعظم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - نظام عال للبشر جمّ الأسرار، حافل بالعبر؛ لو وقف الناس على كنه ما اشتمل عليه من مزايا وحكم، وما احتواه من أنفاس عالية ومبادئ سامية، وما يهدي إليه من تعاليم بديعة وأخلاق رفيعة، لانفتح أمامهم باب السعادة على مصراعيه، ولعاشوا عيشة راضية تصفو بها الدنيا وتخلص بها الأخرى، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
لكن أبناء هذا الرسول الكريم أضاعوا ذلك التراث المقدس، وأشاحوا بوجهوهم عما فيه من نظم مفيدة وسيرة حميدة وسياسة رشيدة، فاشتغلوا بالسفاسف والقشور، واستهوتهم زخارف النظم الوضعية وبهرجتها، ومألوف العادات الفتاكة جراثيمُها بالنظم السليمة، فحُرموا التمتع بنعمة الإسلام، والاستضاءة بنور خير الأنام.
ترى كثيرا من الأجانب الذين جاؤوا من بعد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ممن يدّعون العظمة ويحلمون بالخلود، ينسبون إليهم نظريات و ينتحلون سننا ونظما، على أنهم انتهجوها ولم يسبقهم إليها سابق، لكننا إذا أمعنّا النظر قليلا، وتتبعنا دستورنا الخالد "القرآن"، وتعمقنا في فهم أسراره، وفحصناه على ضوء العلم الصحيح، لاتضح لدينا أن ما ادعاه أحد أولئك إنما هو الإسلام من جملة نتاجه، ودرة غالية سُرقت من تاجه.
ثم إذا درسنا سيرة نبينا العظيم، وتدبرنا حياته الخالدة وما فيها من إصلاح عام وتشريع ونظام، تحصحص لدينا أن كل إصلاح بعده إنما هو شعاع من أشعة شمسه الوهاجة. تلك الشمس التي أطلعها الله على هذا العالم فمحا بها آية الظلم والفساد، وطهّر بها الأرض من أمراض المجتمع المسود يومئذ بالقهر والاستبداد.
إنما هو قبس من قرآننا الساطع الذي أضاء على الدنيا قرونا بين ذلك كثيرا، ثم لا يزال يضيء عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.