محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥

وكان من أبناء الإسلام الجغرافيين الذين يزعمون أنهم على شيء من الثقافة العلمية يصدق ذلك الغرّ في نسبة مزايا الإسلام إليه، لجهلهم بتاريخ عظمائه، وفي مقدمتهم سيد العظماء ومنقذ البشرية جمعاء، سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .

ولو استنطق أحد هؤلاء الغافلين حياة رسوله الكريم لصرخت في وجهه ناقته:

بذلنا له الأموال … من جل مالنا … وأنفسنا عند الوغى … والتآسيا

عنّي خذوا … وبي اقتدوا وليَ اسمعوا … وتحدثوا بعجائبي … بين الورى(1)

أو استكنه كتابه المجيد لأهاب به ساخطا:

بذلنا له الأموال … من جل مالنا … وأنفسنا عند الوغى … والتآسيا

نعادي … الذي عادى من الناس كلهم … جميعا … وإن كان الحبيب المصافيا

فدع كل صوت … غير صوتي فإنني … أنا الصائح الحاكي … وغيري هو الصدى(2)

ولو خالطت بشاشة الإسلام قلبه، وامتزج بلحمه ودمه، لانبعث من أعماق نفسه صوت الداعي يهتف به صائحا:

"إن لكل عظمة شوهدت آثارها في العصر الحاضر إنما هي من فيض عظمتي، وإن كل رقيّ قام في ناحية من الأرض إنما هو جدول من علمي الزخار!

فلولاي ما ازدهرت هذه المدنيات شرقا ومغربا، ولولاي لانمحت الإنسانية من هذا الكون، وأنت خبير أن كونا بلا إنسانية جثة هامدة، وهيكل أجوف.

ولولاي ما قام للعدل في هذا الوجود بنيان، ووجود لم يقم على أساس المعدلة جحيم أرضي لا يعيش فيه العاقل إلا معذبا.

(1) – البيت لابن الفارض من قصيدة مطلعها:

زدني بفرط الحب فيك تحيُّرا … ... وارحم حشى بلظى هواك تسعَّرا.

ونص البيت هو:

عنّي خذوا وبيَ اقتدوا وليَ اسمعوا … وتحدثوا بصبابتي بين الورى

(2) – البيت لأبي الطيب لمتنبي من قصيدته الشهيرة في مدح سيف الدولة الحمداني، ومطلعها:

لكل امرئ من دهره ما تعوّدا … ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدا.

ونص البيت في ديوانه:

ودع كل صوت غير صوتي فإنني … ... أنا الصادح المحكيّ والآخر الصدى.

٥ / ١٤٢