محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤١من نتائج ذلك، -بل أهمها- إنقاذ المستضعفين الذين ظلوا في مكة تحت نير اضطهادهم يسومونهم سوء العذاب في سبيل عقيدتهم. وهذا من الأسباب التي استباح الله بها جانب أهل مكة، إذ حرّض المسلمين على الاستماتة في قتالهم حيث يقول في سورة النساء: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾(1) .
ومنها إفساح المجال للدعوة المحمدية، فلو أن قريشا أفسحت لها المجال من قبل لكانت سارت في أوساطها سير الضياء في الأبعاد، ولرأيت كيف يحطم الإسلام حصونها، وينقص من أطرافها، ويبقيها واجمة صامتة صموت أصنامها، وذلك بأن للدعوة الإسلامية خاصية الشمس، ما فاضت على بقعة إلا أنارت جنباتها، وطردت جيوش الظلام من أقطارها، وما اعترضها شيء إلا علته وانبسطت فوقه انبساط الشمس على كف من يحاول إخفاء شعاعها. فلن تنفك أنوارها باهرة ساطعة، وبراهينها قاهرة قاطعة، حتى يذعن المعاند ويقر الجاحد، بعلوّ كلمتها وغلبة سلطانها.
لكن قريشا الكنود أبت لها جبروتها وصلفها أن تخضع لسلطان الإسلام القاهر، بل ثبتت في وجهه ثبات عظيم الدوح أمام هوج العواصف، فما عتم سلطان الله أن حطمها كما تتحطم الدوح تحت مفعول الزعازع.
ولئن كابر مكابر، فأنكر -وأنّى له- تأثير تلك المناورات في نفوس قريش، التي ترتعد لسطوتها فرائص القبائل العربية، فزعم أنها مجرد مناورات وتهديدات، لا ينبض لها منها عرق، فهل يستطيع أن ينكر ما أثمرته تلك المناورات من أسباب النصر والظفر، كاستمالة عدة عناصر من شأنها أن تسعد قريشا في شدتها، كبني ضمرة وبني مدلج.
(1) – سورة النساء، آية: 75.