محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٤٢

حقا إن هذه السياسة الحكيمة ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾(1) . والله يهدي رسوله إلى ما فيه نصرة دينه، وإعلاء كلمته، والله عزيز حكيم.

وهكذا استطاع سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بدهائه السياسي وتوفيق الله تعالى أن يؤسس على أنقاض العروش الخاوية دولة عظيمة هي أم المدنيات، أساسها العدل، وسماؤها الرحمة، وأركانها الصدق والأخوة والتسامح والتعاون، امتدت فروعها إلى أطراف الأرض فأثمرت سعادة وسلاما وكمالا.

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله

الدّعوَة إلى التعليم العصري.(2) .

أيها السادة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا يخفى عنكم أن الأمم التي تستلذ حياة الجهل، وترضى به حظًّا له ولأجيالها الصاعدة لا تعيش إلا على هامش الحياة، ذليلة مهينة، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

وحاشانا كمسلمين يفرض عليهم دينهم طلب العلم من المهد إلى اللحد، وكأبناء لأبطال غالبوا الزمن وتقلبوا معه -عبر التاريخ- زعزعًا ورخاء، منازعة للبقاء. وطوردوا من هناك إلى هنالك، واضطُهدوا ولم يستسلموا لحوادث الدهر، بل أنشأوا وطنًا قوميا جديدا هو هذا الوطن الذي أصبحنا نعيش فيه، أن يطمئنوا بحياة الجهل والدون.

ولا يتأتى لأمة أن تحيا عزيزة مرفوعة الرأس موفورة الكرامة إلا إذا تسلحت بسلاح العلم وأنشأت أجيالها على العلم، وتتطور بهم كيفما تطور العلم، وزاحموا في ميدان أمم الأرض، وإلا عاشوا في مواطئ الأقدام، ومداس النعال.

(1) – سورة البقرة، آية: 265.

(2) – عنون الشيخ عبد الرحمن هذه المحاضرة بقوله: محاضرة ألقيتها على جماعة من رجال العطف الغيورين، حثًّا لهم على إنشاء مدرسة عصرية لإبراز ما كمن في ناشئة العطف من ذكاء واستعداد.

٤٢ / ١٤٢