محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٤٣

لهذا رأيت أن ألقي عليكم محاضرة في هذا الموضوع، إيقاظًا لشعوركم، واستنهاضا لهممكم، لتقوموا بإنشاء مدرسة عصرية، تبثّ في أعصاب الأمة إحساسًا وتوقظ عيونها الغامضة، وتستخرج ما أودع الله في نفوس نشأتها من الاستعداد والذكاء الذي اشتهر به أبناء العطف قديمًا وحديثًا.

والأمل معقود فيكم أيها السادة وفي أمثالكم من أبناء الأمة الصلحاء الغيورين أن يتم ذلك على أيديكم، وتفوزوا بفخر الدنيا والآخرة. فياليت شعري مَن سواكم يقوم بذلك؟

من يسعد الأوطان … غير بنيها … وينيلها الآمال … غير ذويها؟

ميزاب والغرض من سكناه

"ميزاب" بلاد في فوهة الصحراء الكبرى، قاحلة عارية من النبات، يابسة التربة بحرارة الشمس وقلة المياه.

إلى هذه الزاوية المنقطعة عن الوسط العمراني قصد أجدادنا رحمهم الله في القرن الرابع (أو الخامس)(1) الهجري بأولادهم وعائلاتهم، لما اضطهدوا في كل بقعة سكنوها من العناصر المضادة لهم، فرارًا بدينهم، وصيانةً لجامعتهم، وغيرة على أقليتهم أن تندمج في أغلبية العناصر المحيطة بهم.

انحازوا إلى هذا التنور الأرضي، لا الدنيا يقصدون، ولكن عز عليهم أن يفقدوا دينا توارثوه أبًا عن جد، هو أغلى ما يملكون، وأنفس ما يورثون أبناءهم بعدهم.

عزّ عليهم ذلك، وحقيق بمن لا تزال تزخر في شرايينهم دماء السلف الصالح الذي استضاء بنور الهداية المحمدية، وتلقّى مبادئ هذا الدين القويم عن ثقات رووه عن صاحب الرسالة، صلوات الله وسلامه عليه، وأبلغوه إلينا صافيا من شوائب البدع والخرافات.

(1) – لم يتضح لي هل كتب الشيخ عبد الرحمن: الرابع والخامس، أم الرابع أو الخامس، أم الرابع وإلغاء الخامس دون تشطيب عليه. (باجو)

٤٣ / ١٤٢