محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٤٤

عمروا هذه الرقعة بعد أن كانت جزءًا من الصحراء التي لا يزال غالبها إلى اليوم قفرًا يبابًا، فأسسوا فيها شيئا فشيئا مدنًا هي :العطف، غرداية، بني يسجن، بنورة، مليكة، القرارة، بريان. وأنشأوا حولها بساتين أفنوا في تعميرها أعمارهم، وأذابوا مهجهم، وسقوها بعرق جبينهم، فأصبح ميزاب وسط الصحراء، كخال على خدٍّ مورَّد جميل.

وهكذا ظل أجدادنا على مر السنين وتعاقب الأجيال رمزًا للجهاد في الشمال الإفريقي، يكافحون الطبيعة ويناهضون طوارق الزمان، إلى أن خرجوا من هذه المعركة الحامية منتصرين، وقد استطاعت كواهلهم أن تحمل أعباء الأجيال المتطاولة.

أجل، خرجوا من هذه المعركة الطاحنة مظفرين حين استطاعوا تحقيق المطمح الذي من أجله نزح آباؤهم، ألا وهو الاحتفاظ على دينهم وأصالتهم، وعلى وطنهم وعمرانه، إلى أن أوصلوه إلينا -ونحن على قاب قوسن أو أدنى من الناسفة- كاملا غير منقوص.

نظرة خاصة على بلدة العطف من الوجهة الدينية

إذا رجعنا القهقرى قدر جيل من الزمن أو بنصف قرن، وفحصنا عن الحياة الدينية ببلدة العطف، انكشفت لنا حقيقة تنشرح لها الصدور وتطمئن إليها القلوب، ذلك أننا نرى التديّن عاما يهيمن على النفوس، والطهارة تمازج الأخلاق، وبساطة الطبيعة تبدو على كل مظهر من مظاهرهم.

نرى المساجد عامرة، وصوت الدين مسموعا ومرهوبا، وطبقات الأمة الواحدة تلو الأخرى تتسابق إلى القيام بالمشاريع الخيرية ابتغاء مرضاة الله.

نرى دور العلم مكتظة بالناس من مختلف الطبقات، أعمارًا وحالةً، حتى أنك كثيرا ما تجد الأب وابنه، وقد ضمهما مجلس واحد، ودفعتهما غاية واحدة، هي الرغبة في العلم. بيد أن الأول ينشره بين أوساط الأمة، والثاني يتلقاه في جملتهم استعدادًا لحمل الأمانة عن أبيه مخافة أن تضيع على يديه.

٤٤ / ١٤٢