محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤٥وهنا ظاهرة جديرة أن ينتبه لها، هي أن الشخص مهما بلغ من العمر لا يستنكف أن يجلس قدّام شيخ مهما كانت سنه، بتواضع وإخلاص ليستزيد من علم ما له وما عليه.
نرى أبناء البلدة لا يرغبون كثيرا في طلب الدنيا، خيفة أن يصدهم ذلك عن المرمى السامي الذي ضحت آباؤهم لأجله جهود قرون من السنين، بل فضّلوا أن يعيشوا عيشة بسيطة مع الاحتفاظ بدينهم، وصيانة عائلاتهم، والعمل لما يحيي مجموعتهم على الاغتراب والتقلب في أطراف البلاد سعيًا وراء الثراء والرفاه، فازدهرت لذلك الحياة الروحية بينهم، فأكسبتهم سمعة طيبة داخلا وخارجًا.
كانتت السلطة الدينية أو سلطة العزابة (التي ستنشرحها قريبا) هي المهيمنة على البلاد، المسيّرة لدواليبها على النظام الإسلامي، ضاربين على أيدي الفسقة وسماسرة السوء الختالين النصّابين، ومؤدبين المجاهرين بالمعاصي والمناكر، مناصرين لجانب العشائر، مؤيدين لسلطتها، ومخوّلين صلحاءها حق تأديب ورقابة عصاتها وسفهائها، ومتساندين مع جماعتها البلدية على إقرار الأمن وسير البلدة على خطة مستقيمة يستحسنها العقل ويرضاها الشرع، فاتسقت الأمور وسلمت الأعراض والأموال، ونامت هادئة إلا إن أزعجتها إحدى نوائب الدهر، ويا ما أولعها بالأقليات.
هيئة العزابة
كانت هيئة العزابة كما قلنا هيئة ذات سلطة روحية في الأمة، ونفوذ أدبي قاهر في حياة ميزاب، استطاعت بذلك في غالب أدوارها أن تهيمن على غيرها من هيئات البلدة بلسطانها الذي استمدته من روح الدين.
على أن صوت الدين مهما كان قارعًا، لا بد وأن تصغي له النفوس ما بقي فيها ذماء من الغيرة على وحدتها المبنية على أساس الدين، لا سيما إذا انبعث من قرارة نفس مملوؤة إيمانا، وقلب مفعم يقينا، فإن الأعضاء لا تلبث أن تتحرك و تهتز لنغمته الساحرة. والكلام إذا خرج من القلب لا يستقر إلا في القلب.