محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤٨قد يبلغ إنسان ما يبلغ من المكانة وعلو الجاه والثروة، ولكنه إذا أغواه شيطانه وغره بالله الغرور فارتكب معصية أقعدوه -ولا نعمت له عين مقعد- القصي تحت سارية من سواري المسجد، حيث يُسمِعونه صوتَ الحق قاسيا، وما كان له أن يستزلّه عَرَض زائل إلى أن يبلغ به العتو والتمرد إلى كفر نعمة الله بدل شكرها. ثم إنهم لا يطلقون سراحه أو يتوبَ من ذنبه، ويتوب إلى ربه مستغفرا، معلنا توبته وسط الجماهير التي ظهر أمامها بمظهر المتعالي المتشامخ زهوا وغرورًا، فإذا بالذي كان كبيرا في نفسه صغيرا أمام الحق، وإذا به كبيرا يعود إذا انقاد لمولاه وعاد إلى سواء السبيل. ولا أعز من المطيع ولا أذل من العاصي. ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾(1) .
وهكذا معاملتهم مع الجميع، لا فرق في ذلك بين الفقير والغني، وبين القريب والبعيد، والحر والعبد، والذكر والأنثى، ولا فرق حتى بالنسبة للذين حكموا من هيئة غير هيئة بلدتهم، فلو أن أحد هؤلاء العصاة كانت له مصلحة في غير البلدة التي حكم فيها، وكاتبت الهيئةُ الهيئةَ، فإنه لا يعامل معاملة الناس، بل يجانب ويحرم من حقوقه أينما حلّ، ولا يفك عنه هذا الحصار إلا إذا عاد إلى البلدة التي حكمت ببراءته وأعلن توبته أمام هيئة عزابتها. وإذا سبق أن كاتبت غيرها ببراءته فإنها تكاتبها ثانية متى تاب بأنها أصدرت عفوها عنه.
وقد يجنح مغرور غره نفوذه الموهوم فشمخ بأنفه استكبارًا واستهانة بهذا الحكم، متحمّلاً كل مضض ومرارة تحدّيًا لهذه الهيئة الموقرة، فلم يثن ذلك من عزمها، بل زادها ثباتًا على المبدإ وتشديدا على المصرين المستنكفين، حتى إذا أعياه اصطباره، وتبيّن له أن من يقاوم هذه القوة العتيدة، كان:
كناطح صخرة يوما … ليوهنها … فلم يَضِرْها … وأوهى قرنه الوعل
انقاد إلى الحكم وتقدم إليهم معلنًا توبته متنصلا.
(1) – سورة المنافقون، آية: 8.