محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٤٩

هذا كله بالنسبة للرجال، أما النساء فلهن كذلك هيئة متركبة من الأمينات العاقلات يقمن بينهم بمثل وظيفة العزابة في الرجال، ولهذه الهيئة الموقرة ضلع كبير في إصلاح شأن الجنس اللطيف. وهي أيضا عامل رئيسي في استقرار الحياة بميزاب.

وأنت خبير أن المرأة هي الحجر الأساسي في بناية المجتمع، يستقر بصلاحها ويتضعضع بانحرافها وفسادها، تصدر هذه الهيئة بأمر من العزابة في أعمالها وإجراءاتها.

فبفضل هذا الشمم والصلابة في الدين كانت لهم رهبة في قلوب العصاة، فلا يتجاهرون بمعصيتهم غالبا إلا خفية، كاللصوص لا يسرقون إلا تحت جنح الظلام.

مثالاً للصلاح العام والفداء والتضحية، حيث يرصدون أوقاتهم وأعمارهم للمصلحة العامة وإصلاح ذات البين ومساعدة الضعفاء، وهداية الضال، وتعمير المساجد، والقيام بتجهيز الموتى وتوزيع الأوقاف على مستحقيها، والاشتغال بمسائل البلدة ومقاومة البدع والأمراض في الأفراح والمآتم، وقهر المتمردين عن عشائرهم التاركين للجماعة، إلى غير ذلك. غير ملتفتين إلى خاصتهم أزاء تلك الأعمال العامة، إلا بقدر ما يدفعون عنهم وعمن تعلق بهم من حاجة، ويحفظون من كرامة، أما ما عدا ذلك ففي سبيل الله والمصلحة العامة.

مثالاً للقيام بالواجب حيث نجد الذين علقت بهم هيأتهم القيام ببعض الوظائف يعملون عن إخلاص وشعور، ترى المؤذن مثلا يستيقظ مرة أو مرات في جوف الليل لمراقبة الطوالع، حتى إذا جاء السحر فارق فراشه في قرّ الشتاء واصطفاق الريح، قاصدا صومعته ومناديا إلى عبادة الواحد الأحد، وإلى تعمير المسجد، فإذا بالناس يلبون نداءه زرافات ووحدانا، فيجدونه هناك وقد أضاء الأماكن وسخّن الماء للطهارة. يفعل ذلك شتاء كما يفعله ربيعا وصيفا وخريفا، يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، واحتفاظا بأقدس تراث ورثه من آبائه وأجداده، وخاف أن يضيع على يديه.

وكذلك الإمام والوكيل، كلٌّ وما يستلزمه وظيفه إلخ.

٤٩ / ١٤٢