محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥٠

فبفضل هذه الجماعة المباركة التي استجمعت هذه الخصال الحميدة أيها السادة، وبفضل الروح الدينية التي تبثها في الجماهير، وبفضل رقابتها العامة باسم الدين على أخلاق الأمة، وبفضل انقطاعهم إلى أعمال الخير العمومية، لا يريدون بذلك جزاء ولا شكورا، استطاعت "العطف" أن تحافظ على حياتها ونقاء أمرها مصونة حصينة، وأنسابها سليمة كريمة طيلة الأجيال المتطاولة والقرون المتعاقبة.

وهكذا استطاعوا أن يغرسوا في نفوس أبنائهم هذه الروح العالية ويخرجوا من بينهم من يحمل الأمانة التي تلقوها عن آبائهم. وإن أفسد على هؤلاء الخلف طريق العمل أمور:

1. نشاط سفرهم إلى البلدان النائية التي تختلف عن ميزاب أخلاقا وعوائد وثقافة، واحتكاكهم بعناصرها.

2. ضعف الروح الدينية في نفوسهم، لانكبابهم على طلب المادة، "وحب الدنيا رأس كل خطيئة"(1) .

3. اندفاعهم وراء تيار تلك العناصر المختلفة دون أن يقفوا موقف المحافظ على أصالته.

4. تغريب النشء قبل أن يتلقى مبادئ دينه بكيفية تطبيقية، ويصطبغ بصبغة الله حتى يستطيع مقاومة العوارض التي تنتابه في المهجر.

5. اتساع دائرة مطامعهم وقصور وسائل العمل لديهم.

6. تطاول الفقراء لمجاراة الأغنياء.

تضافرت هذه العوامل على الأمة فأفسدت أخلاقها وأضعف فيهم قوة الشعور بالمسؤولية والغيرة على الذاتية، وصوبت وجهتهم صوب الحياة المادية المحضة، واستحكمت فيها الأنانية تقليدا للأمم التي تختلط بها في المهجر، فقست قلوبهم وكثير منهم لا تؤثر فيه الذكرى والموعظة، فأوشك نشاط الهجرة يقضي على مجهودات هذه الهيئة المحترمة.

(1) – قال ابن رجب عن هذا الحديث: «ومن كلام جندب بن عبد الله الصنعاني رضي الله عنه حب الدنيا رأس كل خطيئة وروي مرفوعا وروي عن الحسن مرسلا». جامع العلوم والحكم، ج1، ص300.

٥٠ / ١٤٢