محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥١

أضف إلى ذلك استغلال السلطة الاستعمارية لهذه الأوضاع فأضحت على ما نشاهدها عليه الآن لا تسمع لها كلمة ولا يطاع لها أمر، كذي قبل لا تملك نقضا ولا إبراما، لا لأن الهيئة فقدت خاصيتها أو ضُيّق من دائرة نفوذها، وإنما دخلتها ما دخل سائر الهيئات من اللامبالاة بالمسؤولية، ونالتها نفحة من سموم المحسوبية التي خضعت لسلطانها السلطات العليا في الممالك العظمى، وضعف أثرها في بعض مدن ميزاب، وإن ظل على حالته الأولى في بعض مدنه الأخرى، تبعًا لقوة قيادتها وضعفها.

على أن التي ضعف سلطانها لا تزال- والحمد لله- تواصل جهودها لاسترجاع ما كان لها من سلطان روحي على القلوب.

لا تزال تدعو بالحكمة والموعظة الحسنة إلى التعليم الصحيح وإلى إخراج طائفة تحمل عنها الأمانة التي استلموها من آبائهم، وقد بحّت أصواتهم وقلّ المجيب.

لا تزال قائمةً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسبما أبقت لها الظروف من سلطة روحية ضئيلة.

لا تزال تقاوم العادات السيئة والمنكرات المنتشرة، والفساد الذي عمّ الوسط، واستفحلت عدواه، وياللأسف.

لا تزال تقوم بالوظائف الدينية من عمارة المساجد في سائر الأوقات، وتوزيع الأوقاف على مستحقيها، وتجهيز الموتى احتسابا، والمشاركة في المسائل العامة التي تهم المجتمع.

بربكم، قفوا معي هنيهة -أيها السادة- وانظروا إلى هؤلاء المعريّين(1) والفدائيين الذين تركوا الاغتراب مثلكم والكدح وراء المعيشة، ما أصبرهم على شظف العيش والاحتفاظ بدين الله.

بربكم، قولوا هل جعلتم لهم في تضحيتهم جراية أو مرتبا سنويا حتى يرصدوا هكذا أعمارهم وأوقاتهم، أو إن تلك الحفنات التي يتصدق بها عليهم كسائر عمَّار المسجد مرات في السنة هي التي تسد حاجتهم وحاجة عيالهم، أم ماذا؟

(1) – لعله يريد نسبتهم إلى أبي العلاء المعرّي، الشهير برهين المحبسين، ولكنه كان عصاميّ التكوين والتحصيل.

٥١ / ١٤٢