محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥٢

يكفي هؤلاء العموميين ترضية أن تصغوا إلى ما يدعون إليه مما فيه خيركم وسعادتكم إن كنتم تعقلون، وتأتمروا بأوامرهم المرضية لفائدتكم إن كنتم مؤمنين. إنما يكفيهم ذلك جزاء منكم، بل يعدونه أعظم مرتّب وأسنى جراية، وما عند الله خير وأبقى.

لا يطلبون منكم مكافأة -أيها السادة- لأنهم احتسبوا أمرهم إلى الله وهو يجزي المحسنين، ورابطوا في هذا الثغر الذي تجب حراسته ابتغاء مرضاة الله، لأنهم يعتبرونه من الرباط.

إنما يريدون منكم أن تنفر طائفة تخلفهم في المحافظة على الثغر الوحيد، ثغر الدين وتراث الأجداد، لأنهم على وشك الرحيل إلى مقرهم الأخير، مقر المجاهدين في سبيل الله الحريصين على صيانة ترعه أن تهدم، حيث يجدون من رب رحيم ثوابهم كاملا غير منقوص.

يريدون أن لا تصبحوا بعدهم منسلخين من الدين، ممسوخي الوضعية، غير غيورين على تراث آبائكم ومصير حرماتكم.

يريدون أن لا تفقد عائلاتكم الجوهرة الكريمة التي تملكها، جوهرة الصيانة الناشئة عن الديانة.

يريدون أن لا تظل بلدتكم في ظلام الجهل الحالك، لا من يأمر فيها ولا من يأتمر، لا من يعلم ولا من يتعلم.

يريدون أن تطول حياتكم بالتمسك بأهداب الدين، وأمة بلا دين أمة ميتة، ورجالها أموات وإن كانوا يدبّون ويمرحون.

يريدون أن يبقوا أحياء وإن رحلوا من الدنيا، فإنكم إذا تلقيتم عنهم ما تصلحون به مستقبلكم، ذكرتموهم بخير، والذكر للإنسان عمر ثان.

يريدون أن لا تلعنكم أبناؤكم في الأصلاب، حيث أضعتم ميراثا مقدسا ورثتموهم من آبائكم ولم تورثوهم إياه.

ألا فلنعرف -أيها السادة- أننا غمطنا حق هؤلاء المجاهدين المتطوعين، أقول المجاهدين، لأن الجهاد لا ينحصر في حمل السيف وإشهاره في وجه العدو ونصرة الإسلام، بل من الجهاد في سبيل الله بث تعاليمه السامية، وإشراب القلوب روحه العالية، ومقاومة البدع أن تلحق به وتقام باسمه وإعداد الناشئة بعدهم لحمل الأمانة. كل ذلك جهاد في سبيل الله أي جهاد.

٥٢ / ١٤٢