محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٥٣أجل، غمطنا هؤلاء المجاهدين لأنهم جادوا علينا بحياتهم في أعز ما يملكون، وشححنا عليهم بقبول نصائحهم، والائتمار بأوامر المشرع العزيز على ألسنتهم رغم أنها في مصلحتنا ولخيرنا وفائدتنا.
غمطنا حقوقهم إذ تركناهم يذهبون إلى حياتهم الأبدية يائسين كئيبين، ولم نسمح لهم ببعض أولادنا يكونون خلائف ينوبونهم فيما ضحوا لأجله أعمارهم وأموالهم وجهودهم.
فعارٌ –والله- علينا أن يبلغ بنا البخل هذا المبلغ، وعدم الاعتراف بالجميل إلى هذا الحد، وليسوا بأكثر منا مسؤولية أمام الله حتى يهتموا هذا الاهتمام، ويضحوا بتلك التضحيات، ونزهد نحن عن كل ذلك ونبخل كل البخل.
عار والله علينا أن نفقد الغيرة على ديننا ووحدتنا، فتكون صيانة ذلك وإضاعته عندنا على حد سواء.
انتبهوا أيها السادة، فالخطر محدق بنا ونحن نائمون، واستيقظوا فأمم الأرض بأسرها قد استيقظت وسارت أشواطا في مضمار الحياة ونحن لا نزال في سبات عميق، وفي ليل من الجهالة بطيء الكواكب.
جردوا عن ساعد الجد واعلموا أن لا شيء أغلى من الكرامة ولا شيء أشد تعريفا بها من العلم، إذن فْلنغشَ ميادين العلم ولنقتحم لجج بحاره. كفى وقوفا على الساحل، والناس كالحيتان فيها سابحون.
غير خفيٍّ عنكم -أيها السادة- أننا فقدنا كثيرا من مميزاتنا، وأضعنا جانبا كبيرا من تراثنا المقدس، ذلك لأننا أعرضنا عن العلم إعراضا كليا.
نحن نريد نهضة علمية دينية، وحياة بلا دين ليس في الحقيقة حياة، لأنها لا تضمن لنا سعادة أبدية، بل هي موت زؤام وخسران مبين.
نريد نهضة علمية دينية كي نسد فراغ مؤسساتنا الكبرى التي تقوم على أساس الدين: هيئة العزابة، الهيئة العدلية، منصب الإفتاء، جماعة بلدية صالحة تتصرف في الأمور العامة بعدل وإنصاف.