محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥٥

وترى حتى الكهول والشيب يعمرونها ولا يستنكفون من مجالسة الصبيان في سن أولادهم أو أحفادهم. أولئك الشيوخ الذين لا يستطيعون الكدح وراء الخبزة الطائرة، ويربؤون بأوقاتهم أن تضيع سبهللا، فتراهم يعينون الأحداث في دراستهم ويعطونهم بذلك أمثلة تطبيقية في التواضع وتعمير أوقاتهم بالصالح المفيد. أما الكهول الذين تعلقت بهم شؤون الحياة، ونشبت الضروريات فيهم أظافرها، فلم يستطيعوا الانقطاع إلى الاستزادة من الحفظ، فإنهم يؤمّونها في أوقات فراغهم، كوقت السحر أو ما بين العشاءين لمجرد التكرار واحتساب الأجر.

وبالجملة فإن هذه المحاضر بإيوائها متعلمي القرآن على اختلاف درجاتهم سنًّا ومستوى، قد نشرت في البلدة حفظ كتاب الله بصفة عامة، وأعانت على محو الأمية إعانة ذات بال.

ومما سمعته من مؤدبي المرحوم الحاج داود بن عبد العزيز باعزيز. الذي استمر معلما في إحدى هذه المحاضر (محضرة المسجد الأول) عقودا من السنين، أنه التفت ذات مرة إلى زاوية من زوايا المحضرة إذا بها غاصة مكتظة لا تكاد العين تقع على بقعة فارغة فيها، واتفق أن عدّ سبعة عشر شخصا كلهم يُسمَّون "محمدا"، لم يفصل بينهم شخص يحمل اسما آخر.

كانت العزابة تتفقد يوميا هذه المعاهد التحضيرية، وكانوا يتخولونهم بالموعظة الحسنة من وقت لآخر، والدروس الإرشادية، فتنفخ في الناشئة روح الدين، وتغرس فيهم حب العلم والاستعداد لتحمل الأمانة التي تنتظرهم بعد وقت قصير.

وهكذا تظافرت المحاضر والمساجد، هذه بدروسها العلمية العامة، وتلك بتحفيظ القرآن وعرس الطموح في النشء، فانتشرت في الوسط ثقافة علمية عامة، واعتز جانب الدين، وعمت الفضيلة، وأخصبت القلوب إيمانا، فأصبح غير المتدين تقتحمه العين بنظر إليه شزرًا ما بقي كذلك، حتى إذا رجع إلى حظيرة الدين واستقامت سيرته أصبح من المعتبرين.

٥٥ / ١٤٢