محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٥٦هذا ما كان عليه الأمر سابقا، أما الآن- وقد تبدلت المراسم وتنكرت المعالم، وانعكست القضايا، فقد أصبح البعض منها مغلق الأبواب لا يوجد من ينتصب للتعليم فيها، ولو بأجرة معتبرة، كما لا توجد صبيان يعمرونها، والبعض الآخر لا ترى إلا أفرادا كسالى قليلين يواظبون على عمارتها، كما لا رقابة هناك ولا إلزام لأولياء الأحداث، بل ترك الأمر لإرادة الصبيان ضرورة أنهم لا يحاسَبون. هل ذهبوا فعلاً؟ ولا على ما تعلّموه، وأين أمضوا أوقاتهم؟ عكس ما كان عليه الأمر سابقا.
كان الواحد لا يهمل أمر ولده، بل يحاسبه من حين لآخر ويسأل معلمه عن اطراد ذهابه إلى المحضرة في الميعاد المحدد بلا تأخير ولا غيبة، كما تجده يعينه على الحفظ ويلزمه بتكرار سوره، ويعتني بإيقاظه وقت السحر، وكثيرا ما يصحبه إلى المحضرة حتى إذا ما أوصله عاد هو إلى المسجد للتهجد واستماع الذكر الحكيم، وحضور الصلاة جماعة.
أما الآن فغالب هؤلاء قد شردتهم الغربة وأشغلت أفكارهم اتساع الضروريات والتوسع في الدنيا، فضاع النشء بين ذلك.
هذا إذا لم يصحب ولده معه إلى المهجر، حيث يودعه المطبخ أو يرسله إلى مكتب فرنسي حتى إذا تعلم كتابة اسمه وعنوان جوابه، أو إن أمهله فإلى أن يتعلم قراءة جوابه أو كشفه (فاطورته) أو تيليغرافه، فهناك يزج به في بحر المادة يعمل بجانبه، فيظل يركض ويكدح وراء الخبزة الطائرة، وهي لا تزداد عنه إلا نفورا وابتعادا، وإذا حاول مضاعفة سيره التوت السبل أمامه، لأنه دخل الميدان بدون علم ولا خبرة، وهكذا يظل متعثرا في حياته حسيرا كئيبا.