محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥٧

هذا واقعنا الحاضر، ومن هنا قلّ فينا حفّاظ كتاب الله، ففرغت المساجد من عُمّارها، وهيئة التلاميذ من جيشها الذي تستمد منه هيئة العزابة أعضاءها، فاستشرت الأمية فينا، إذ تعطلت هذه المعاهد التحضيرية، فجفّ مَعين الدين الذي كان يرطب القلوب ويغرس قابلية تلقي مباديه؛ إذ لا شيء ينعش في النفوس الحياة الدينية أقوى من كلام الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

أصبحت هذه المحاضر خاوية على عروشها تقريبا، فتسرب الضعف والوهن إلى الدين، فإن لم يُتدارَك الأمر كان الخراب لا محالة، وأصبح ميزاب الذي كان مضرب المثل في التدين، في خبر كان.

ولقد أفضى بنا اندفاعنا وراء تيار المادة اعتناقنا لمبدإ الاغتراب جملة واشتداد الأزمة الاقتصادية في هذه الظروف الأخيرة، أفضى بنا ذلك إلى أن أصبحت مساجدنا خالية وأعضاء عزابتها لا يكادون يجدون من يستخلفون ليحفظ الأمانة بعدهم، وقلَّ التلاميذ الذين كانت حلقات القرآن لا تعمر إلا بحُفّاظهم.

على أنها هي نفسها أضحت لا تكاد تجد من يتولى تسييرها وتعليم النشء فيها، فضلا أن ندخل عليها تحسينات، فيضاف فيها إلى حفظ القرآن تدريس علوم القرآن وشيء من علوم العصر التي تفتح عيون التلميذ إلى ما أودع الله في هذا العالم العجيب الأدوار، الغريب الأطوار، من عجايب وأسرار، ويكوّن في نفسه الطموح عساه يبلغ بشعبه الدرجة التي بلغتها الأمم المتزاحمة على الأرض واستغلال خيراتها.

هذه حالة محاضرنا، وهذا خذلاننا لها ونكوصنا عن تعميرها، وعدم اهتمامنا بها اهتمامًا يليق بمقامها، وهو بعدُ- نذير انقراضها من تلك الزاوية لا قدّر الله، أومبدأ مسخ وضعيتنا إن لم نتدارك الأمر سريعًا، قبل أن يستفحل الداء ويعطل ويعز العلاج، وينادي لسان الحال: لا سبيل إلى العلاج.

الهيئة العدلية أو المحكمة

٥٧ / ١٤٢