محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥٨

أما مسألة المحكمة والقضاء، فكلنا يعلم ما كانت عليه في السابق وما آلت إليه حالتها الآن، كلنا يعلم أن هذه الميزة هي أقوى وسيلة نستطيع بها إيصال الحقوق إلى أربابها، وإصلاحات مهمة يكون لها خطرها في حياة الأسرة. كيف لا وهي تعبر عن كرامة الأمة واستقلالها عدليًّا؟

كانت هذه الميزة معتنًى بها غاية الاعتناء قبل أن تصاب الأمة بداء الاغتراب، وتنساق عن بكرة أبيها وراء حب الدنيا، معرضَة عن حياة الروح والشرف.

كان معتنًى بها، لذلك كنت تجد البلدة تعمد إلى أبرز شخصية فيها علمًا وتقوى واتصافًا بأسنى الفضائل وأجمل الصفات، فترشحه لهذا المنصب السامي، فتلقى مسؤوليته على غاربه، فلا يسعه والحالة هذه إلا أن يحسر عن ساعد الجد، ويضاعف جهوده لتأدية مأموريته أحسن أداء، لعلمه بأهمية ما يناط به، وبما ينجرّ وراءها من فائدة للإسلام عموما ولأمته خصوصا ولبلدته على الأخص.

ذلك أن كفاءته ونزاهته تأبيان عليه أن يعبث بشرف هذا المركز الخطير في الإسلام، وتأبيان عليه إلا أن يتحرى كل التحري في أحكامه، ويجتنب إحداث ثغور يستطيع العدو التسرب منها إلى انتهاك حمى حرمه الأمين.

فخذ لك مدينة العطف مثلا، فإن محكمتها إبان ازدهار حياتها العلمية والدينية كانت على جانب عظيم من تحرّي أوامر الشرع العزيز وسلوك محجة الاستقامة، صالحة من الداخل، مرموقة بعين الإجلال والاحترام من الخارج، حتى انحطت حالتها. وأقوى عوامل انحطاطها فيما أرى إهمال جانب التعليم، وخلوها من رجال الكفاءة الذين ينهضون بعبئها الثقيل.

تناولت هذه المؤسسة المقدسة أيدى سماسرة السوء من الجهلة الأغبياء، وأصحاب الغايات الذاتية، فكانوا لا يعملون عملا إلا حط من قيمتها وزاد مسخًا لوضعيتها.

٥٨ / ١٤٢