محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٥٩

مرت على المحكمة بعد دورها الأول أدوار يلعن بعضها بعضا، وكلها لطخة سوداء في حياة العدالة، أو بالأحرى في تاريخ العطف؛ تلك البلدة التي كانت تمتاز برجالها العالمين العاملين بنزاهة وإخلاص، حتى حازت قصب السبق على قرى الوادي، ومدحها شاعر ميزاب حينذاك، الشيخ الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن (بِيحْمَانْ) إذ يقول: "حازت الفضل عليهم تجنينات"، ومعلوم أن "تجنينات" اسم لبلدة العطف كما لا يخفى.

أجل، بإهمالنا جانب العلم وعدم إعدادنا الرجال الأكفاء الذين يضطلعون بأعباء الأمة، وإشغال مناصبها الرئيسية، أصبح هذا المركز الهام أحبولة ومصيدة بأيدي السفلة يوقعون فيها الجهلة الأغبياء وذوي الغايات، ولعبوا أدوارا مضحكة مبكية، اتخذتها سلطة الاستعمار حجة على عدم أهليتنا ولياقتنا للحياة العدلية، فدفعت البلدة بله الأمة ثمن ذلك باهظا.

أي وربك، دفعت ثمنه غاليا، إذ انتزع استقلالها منا وأَجرت فيه عملية الضم والإدماج، فأضحت ذنَبًا بعد أن كانت رأسًا، تتكفف مصالحها من غيرها، وتستمطر رحمته إن صادفت رحيما.

وهكذا انتزع منا هذا المركز الهام، رغم أنفنا جزاء تهاوننا بالعلم وزهدنا في إعداد ما استطعنا من قوة، إلى هذه الدركة بلغت حالتنا إلى أن أضحت المرأة منا لا تتصل بحقها إلا إذا خرجت من بلدتها وقطعت إليها مسافة بعيدة، ونحن لا نزال نستمرئ طعاما ونستسيغ شرابا، ونستطيب فراشا، ونمشي -بلا خجل- مشية الرجل الفحل؟

وما أراد ربك – رغم هذه الضربات النازلة على رؤوسنا أن نستيقظ من سباتنا ونهبّ من ركودنا لاتخاذ الوسائل التي تمكننا من استرجاع ما فات وحفظ ما بقي.

شاء ربك، -وما يشاء لعباده شرا ولا ضرًّا- أن نتحمل هذه الصفعة وغيرها من الصفعات، دون أن نعمل على اتقاء غيرها مما هو أقسى وأخزى.

اخترنا لأنفسنا هذه الحياة المهينة، وما كان ينبغي لنا أن نرضى بغير حياة العز بديلا.

٥٩ / ١٤٢