محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٦٠أما آن أن نستدرك -أيها السادة- ما فات، ونتدارك الخطر قبل أن يستفحل فيمتد إلى سائر مميزاتنا المعتبرة، من عزابة وجماعة ومحكمة وغيرها، التي يجب علينا حفظها وتحسين أمرها.
وها هي ثلة ممن بقي فيهم بقية من الغيرة لا تزال تطالب باستراداد استقلال محكمتكم. فإذا كللت مساعيهم بالنجاح فيجدون من أبناء جلدتهم من يشغل هذا الوظيف عن كفاءة وأمانة وإخلاص وديانة، ويقوم بمسؤوليته حق القيام، كما كانت آباؤهم وأجدادهم من قبل.
على أن الظروف قد تغيرت وعظمت مسؤولية هذا الوظيف، لكني متشائم ومستاء من حالتنا التي لا تصلح لهذا الزمان، التي قضت الحكمة الإلهية أن نكون من أبنائه، وأحزنني التدهور الذي فشت فينا عوامله، وقلت موانعه، المؤذن بالزوال والاضمحلال.
وأعظم من ذلك عدم اهتمامنا واتخاذ الوسائل المعقولة لإصلاح هذه الحالة، على أن الإنسان مهما استحكمت عليه حلقات الخطوب، وتداعت عليه جيوش البلايا والمحن، لا ييأس من روح الله، ولا يقنط من انفتاح أبواب الفرج، فانتظار اليسر بعد العسر عبادة مع تعاطي الأسباب.
فالأمل فيكم أيها السادة وطيد أن نعمل متساندين لهذا الغرض بغير ما فتور ولا توانٍ ولا انثناء، حتى يكشف الله بنا عن سمائنا هذه الدجنة السوداء، التي جعلت نهارنا ليلا، ولعلنا نكون القدوة الحسنة في إيقاظ الأمة إلى ما هو جدير بحاضرها ومستقبلها.
الجماعة
كما وقع الانحطاط في الهيئات السالفة، كذلك وقع في هذا الركن الركين المقابل لركن العزابة على خط مستقيم.
كانت جماعة العطف متركبة من أناس وإن لم يتخرجوا من المدارس ولا من هيئة العزابة ولا من الطلبة، غير أنهم من أناس حنكتهم التجارب، ذوي خبرة بالأمور وبصيرة نيّرة بما يصلح بزمانهم، تتوفر فيهم غالبا شروط أساسية كالماضي النقي والاستقامة في السلوك، وأن يكون صاحب الكلمة في قومه، وشروط كمالية كأن يكون متزوجا وذا مال وذا أولاد.