محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٦١ويكون زيادة على ذلك ذا غيرة، والغيرة هي الباعث الوحيد على جلب النفع، والحاجز الحصين الذي يحول دون الضرر أن يتطرق إلى الجامعة.
وهذه الخصلة هي بمثابة رقابة حريصة أمينة، ضرورة أنها وجدانية لا تخيس بواجبها ما دام ذلك الشخص حيا غالبا. خصلة تقوم في هذا الوظيف على الأخص بأكثر من العلم مجردا منها لأن الإنسان وإن كان عالما بالنفع والضر غير أنه مسلوب الغيرة على أمته لا يعطف على حقوقها ولا يرحم أبناءها، أفترى علمه يجديها شروى نقير؟ وإنما صاحب الغيرة مجردا من العلم إلا تجاربَ حنكته، وفكرًا طبيعيا يميز بين الخبيث والطيب، أفضل لأمته من ذلك العالم المحروم من الغيرة. وربما يقول قائل: ليس هذا المنصب منصب إفتاء أو قضاء أو تدريس، حتى تلزمنا فيه الكفاءة العلمية، قلنا المراد بالعلم هنا ما ينير السبيل لصاحبه في المهمة التي يزاولها أو بالأحرى سلوك محجة يستصوبها العقل السليم. فإذا استطاع إنسان أن يحصل على نتيجة لعمل مسلوك إليه طريقة يستحسنها العقل، قيل إنه عالم بذلك العمل. ولكن لما كانت للوظائف أنظمة وقواعد مقررة، وجب على الجماعة أن تكون عارفة بها، حتى لا تُمنَى بالخيبة في تأدية مأموريتها، سيما ونحن في ارتباط متين مع أمة أشرفت علينا بحكمها وسيطرتها، هي على جانب عظيم من الخبرة والدهاء، فإذا لم نتترس بمثل الأسباب التي اتخذتها وقاية لها، كنا أخسر الناس صفقة.