محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٦٢

كان أحد أعضاء الجماعة إذا رأى فسادا أنكره ولو جرّ إليه هذا الإنكار ضررا في بدنه أو ماله، كما إذا رأى وجه إصلاح لاحظه على جماعته وطلب منهم أن يشاطروه رأيه ويسعفوه في تحقيقه، لا يرى منهم إذا اقتنعوا بسداد رأيه إلا تأييدا. أما الآن فقد فسدت منهم النيات إلا من رحم ربك، وانعدمت فيهم الكفاءة وتجردوا -إلا قليلا منهم- من الغيرة تماما، فأصبحوا مسيرين لا مخيّرين. كل يدفع عنه المسؤولية، ويترك النصائح بما يحسه، حتى لا ينسب إليه الأمر الذي تمشئز منه الأسياد. والحق أن كلمة الصواب المرتكزة على القانون والمشتملة على المنفعة العامة لا يشمئز منه عاقل تنطوي جوانحه على حب الإنسانية والشفقة على خلق الله رئيسا كان أو مرؤوسا.

هذا ولا شك أن جانبا عظيما من التبعة تلقى على عموم أهالي البلدة، ذلك أنهم متى قدموا أحدا إلى هذا الميدان ملتزمين تأييده، فما هو إلا أن تتم تسميته الرسمية ويستقر في منصبه، حتى ينفضّوا من حوله ويلقوا حبله على غاربه، فيبقى وحيدًا لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا، وإدا التفت إلى جانبيه ليرى إخوانه الذين دفعوا به ووعدوه تأييدهم، وجد الميدان خاليا منهم، ووجد نفسه كريشة في مهبّ الرياح.

هنالك تدب الخيبة إلى نفسه، ويظن بهم الظنون، فتخمد فيه جذوة الشجاعة التي تستمد قوتها من التفاف أقرانه به واعتماده على نصرتهم.

أضف إلى ذلك عدم تعقيب طائفة من خواص البلدة لأعمالهم، والإشارة عليهم بما ينير السبيل أمامهم، كما هو شأن الصحافة في البلاد الراقية، وتأييدهم بخدمة الرأي العام، وتسهيل الوسائل الخارجية.

٦٢ / ١٤٢