محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٦٤

التعليم وما أدراك ما هو. هو إن تخيل إلينا أنه الشبح الأسود، والبعبع الذي ترتعد منه فرايص الجبان، إلا أنه في الحقيقة شمس ساطعة الضياء، قاهرة اللألاء، ما بزغت على بقعة إلا أضاءت جنباتها وامتصت عفوناتها، وطعمتها بإكسير الحياة، وغذت تربتها بأشعتها الدافئة التي تضمن لها الخصب والنماء.

التعليم هو الوسيلة التي نستطيع أن ندفع بها عنا عاديات الأيام وتهجات الأعداء، وتمنح مستقبلنا عيشة هنيئة وتسعد بها الأجيال، ويحمدها التاريخ، ونستطيع بها وحدها الاحتفاظ بديانتنا وجامعتنا، ونستطيع بها وحدها إعداد الرجال الذين يخلفون أسلافهم ويحافظون على صيانة الأسرة التي قامت عليها حياة ميزاب، ويربطون بين الماضي والمستقبل.

نستطيع بها وحدها أن نكوّن لنا خلائف يشيدون بذكرنا ويتداركون ما أغفلنا القيام به مما توجبه الحياة والمروءة والذمة.

فإذا توانينا مدة قصيرة وتلاهينا عن القيام بهذا الواجب، وتعامينا عن الخطر المحدق بنا، وتشاغلنا عن دفعه، فكبِّر على وطننا المنكود أربعًا، وبشره بالويل الذي تزحف إليه جيوشه صباح مساء.

أيها السادة:

إن لم تكن لنا الغيرة على أنفسنا، فلتكن على أحاريمنا، تلك الأحاريم التي تظل معتصمة بدينها، محافظة مدة غيبة زوجها عنها، ولو مرت عليها أعوام عديدة، إلى أن يعود فيجد عرضا مصونا وكرامة موفورة وسمعة طيبة، وأولاده لم يفارقوا دينهم ولا قوميتهم.

٦٤ / ١٤٢