محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٦٥

لِنعملْ أيها السادة غيرةً على هذه الحياة الشريفة الماجدة، ولنتيقنْ أن لا يكون لنا حياة إذا أهلمنا جانب التعليم، فتعطلت المساجد وغاض الينبوع الذي تستمد منه العائلة حياتها الدينية. سيما وقد فاض الفساد وتسربت إلينا عوامله مما يأتي به أبناؤنا من قبيح الأخلاق التي نالتهم عدواها أثناء اغترابهم واختلاطهم بالعناصر الموبوءة فيه، فإن لم توجد عندنا قوات عتيدة تسهر على الأخلاق وتحارب المفاسد وتمنع انتشارها في أوساطنا الطاهرة، وتحافظ على حياة الطهارة والعفاف والفطرة السليمة في الأسرة كان خراب الوطن لا قدّر الله.

لنعمل أيها السادة صيانةً لكرامتنا مما يحفظه التاريخ عنا من سوء الأحدوثة، خشية أن تلعننا أحفادنا بعدنا إذ أضعنا عنهم ميراثا غاليا ورثناه من آبائنا ولم نورثهم إياه. أما نحن فإن متنا على هذه الحالة الأسيفة فمتحتم علينا أن تكون لنا وجوه بشرية مستعارة، لأنا لا نستطيع أن نقابل بوجوهنا الحقيقية أولئك الأجداد الأمجاد، الذين اضطُهدوا في كل بقعة نزلوها، وقاوموا التيارات المختلفة حتى تغلبوا عليها، فأنشؤوا وطنا أسسوه على دعائم الدين وسلامة العقيدة ، فلم نستطع نحن الاحتفاظ به، وإلا أنكروا نسبنا منهم، لأن وجوهنا حينئذ تكون عليها غبرة، ترهقها قَتَرَة التضييع في الواجب الذي أوجبه علينا الدين وألزمتنا به الذمة والمروؤة.

وعليه، فلْنعمل ما دامت لنا فسحة في الأجل، وما دامت الوسائل ميسورة، وما دامت بقية من الغيرة في النفوس، لما يبيّض لنا وجها يوم تبيضّ الوجوه، وحتى نقابل أولئك الأجداد العظماء بوجوه تترقرق عليها أنوار القيام بالواجب، أنوار المحافظة على دين الله، وعدم التعريض بمصير الأجيال إلى الخطر.

٦٥ / ١٤٢