محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٦٦

عار علينا -والله- ونحن أبناء الذين حافظوا على بقائهم على قلة عددهم وضعف أسبابهم، أكثر من ألف سنة، حتى أوصلوا الأمانة إلينا سالمة، أن نستهين من العار الذي يلحقنا من جراء هذا التهاون أمام الله والملائكة والناس أجمعين.

عار أن لا يوجد في البلدة بأسرها شخص واحد يستطيع تحرير عريضة تعرب عن آمالها وآلامها إعرابا كافيا في باب الإقناع.

شخص واحد، إنه لَموتٌ زؤام، إن استطاع تحبير بعض سطور بالعربية، لكنه لا يقدر على تحريرها باللسان الفرنسي، لسان الحكومة التي ترسل إليها تلك العريضة. أجل، لا يوجد فرد واحد يرفع عن البلدة هذه الكلفة، فأسندت مطالبها إلى التراجمة الرسميين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في باب العربية، يصوغونها كما شاؤوا وشاءت لهم عنجهيتهم، فتصل تلك العرائض التي أفرغتها الأمة آلامها وضمنها آمالها النبيلة خالية من الشعور وروح التأثير، ولهذا لم تكن مطالبنا تجد آذانا صاغية، ولم نفز في كل ما حولناه من هذا السبيل بطائل.

حرام علينا الأكل، حرام علينا الشرب، حرام علينا مضاجعة نسائنا ومداعبتهن، بل و حرام علينا الضحك وأنواع المتع والمسرّات، حيث بلغ بنا قلة الإحساس والشعور وعدم الغيرة على مستقبلنا إلى حد أن لا يوجد فينا واحد، آه واحد فقط، يمكننا أن نبث بواسطته شكوانا ونخفف به من بلوانا ولو بجرة من قلمه.

لا يحق لنا أن نبرز إلا مقنّعين -إن بقي فينا ذماء من حياء- أمام الأمم التي سارت في سبيل العلم أشواطا، حتى أصبحت أبناؤها تتلاعب به فتجعل الباطل حقا والظلام نورا، والانتحار فداء وتضحية، والبخل اقتصادا، والبهيمية رقيا وحضارة.

يجب علينا أن لا نمشي أمام الناس مشية الرجل الفحل، ونساء عيرنا لا ترضى بحالتنا حالة، ولا ترى ما نحن عليه من الحياة شيئا مذكورا يستلزم إضاعة الأعمار لأجله.

٦٦ / ١٤٢