محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٦٧

أيوجد مكتب فرنسي عندنا في البلدة يستمر نحو خمسين سنة مفتح الأبواب نصرف عليه سنويا من جيوبنا المصاريف الباهظة ونرهن فيه العشرات بل المئات من زهرات أبنائنا في فجر حياتهم السنين، ولم يتخرج منه ولو فرد واحد يحمل شهادة ابتدائية، ثم لا نبدي حراكا ولا نتألم لذلك؟

أتبلغ بنا الاستهانة برجال المستقبل إلى هذا ولا نرفع عقيرتنا، ولا نهتم بذلك غاية الاهتمام؟ فضلا أن نضحي بقليل من المادة في سبيل إصلاح هذا الوضع؟

إننا –أيها السادة- نيام نومة السكران لا نستفيق إلا بين جدران السجن، فهلاّ يجمل بنا أن نلقي نظرة عامة على العالم وإلى الأمم التي كانت مبتلاة بمثل دائنا فأصبحت في عداد الأمم الحية، بماذا استطاعت أن تعالج به حالتها، وما انتهجت من مناهج، وادرعت من وسائل حتى وصلت إلى الحياة الراهنة التي عليها اليوم، لعلنا نجد هاديا ودليلا يأخذ بأيدينا إلى سبيل حياة العزة والفخار؟.

إذا أمعنّا النظر في أحوال الأمم وبحثنا عن الدعائم التي ارتكزت عليها حياتها الحقيقية فاستطاعت أن تعيش في هذا العالم المتماوج فتنًا ومحنًا، وتأتَّى لها فوق ذلك أن تحكم وتستولي على أمم أكثر منها عددا وأوسع أرضا وأكثر أموالا، وجدناها ثلاثا:

1. الدعامة الأولى: الحياة الدينية.

2. الدعامة الثانية: الحياة الفكرية.

3. الدعامة الثالثة: الحياة الاقتصادية.

الحياة الدينية:

أما الحياة الدينية في الأمم والشعوب فبمثابة العمود الفقري في حياة الإنسان، فصلاح هذه الناحية من الأمة كسلامة النخاع الشوكي في العمود الفقري، وبسلامته تنتظم حركات الجسم وتؤدي الأعضاء وظيفتها، فتحصل النتيجة المطلوبة من الإنسان، الذي جعله الله خليفته في الأرض والمتصرف في قوى العالم، فضلا من الله ونعمة.

٦٧ / ١٤٢