محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٧٣الحياة الفكرية هي التي تعرّف الأمة بعظمائها، وتوجب عليهم الإشادة بذكرهم والاعتراف بجميلهم، ومن هنا نجد الأمم الراسخة القدم في الحياة الفكرية تشيد بعظمائها ونبغائها، تلقينا للأبناء وزجًّا بهم إلى ميادين العظمة والنبوغ، فإن قديم النبوغ يبعثهم على التأسي والطموح إلى المرتبة العالية التي ينالها العبقري في أمته.
وإذا سرت هذه الروح في الأمة أصبحت لا محالة غنية برجالها. والدول إنما تقوم وتدوم بما تملك من رؤوس التفكير ورجال الأعمال.
الحياة الاقتصادية:
وأما الحياة الاقتصادية فإنها للأمم كما للأفراد بمثابة الأجنحة للطيور، وهل يمكن الطائر أن يحلق في أجواز الفضاء بلا جناح أو مقصوصه؟
وهذا البازي سيد الطيور لا يستطيع بدونه نهوضا، فكيف بزغب الحواصل التي لا تكاد تنتفش؟
الحياة الاقتصادية للأمم هي الأيدي التي تتناول بها الأشياء، والأرجل التي تنتقل عليها. والأمة بلا حياة اقتصادية كساقط الحرب الذي قطعت يداه ورجلاه، لايستطيع حماية نفسه ولو بشربة ماء، إلا إذا قيّض الله له رحيما يرقّ عليه ويسعفه بما يدفع عنه العطب، ولكن هل لهذا الرحيم أن يلازمه صباح مساء، أو يرصد حياته لخصوص خدمته؟
حسبه أن يعطف عليه مرة أو مرارا معدودة، ثم يتركه وشأنه فيبقى كالمصباح في مهب الرياح لا يلبث أن ينطفئ.
الأمة المحرومة من الحياة الاقتصادية -أيها السادة- كهذا الساقط تكون عرضة لطوارق الدهر، والدهر جبار لا يرحم إلا من رحم نفسه واتقى عادياته بما يقيمه من الحواجز المنيعة والأسلاك الشائكة. والدهر كالبحر لا يبقي على ظهره إلا من يحسن السباحة، أما الغمر الذي يلقي بنفسه كما تلقى الحجارة فلا يكون مصيرة إلا قرارته حيث يصبح نهبا مقسما بين حيتانه.