محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٧٤

الحياة الاقتصادية هي العضلات التي يتسنى بها للأيدي أن تبطش، وللأرجل أن تثبت. والإنسان لا ينفك في معترك الحياة، فإذا لم تكن له سواعد قوية للبطش، وأرجل متينة للثبات والوثوب كان ولا ريب من ضحايا المعركة.

وبالجملة

فالأمة بلا حياة اقتصادية أمة شلاّء بتراء، لا تستطيع الوصول إلى ما تطمح إليه نفسها من العزة والمناعة، اللهم إلا تكففا واستجداء. وأَخسِسْ بحياة التكفف والاستجداء لمن له شعور وإحساس وغيرة على مركزه الأدبي.

على أن هذه الحياة كسائر فروع الحياة الأخرى لا تقوم إلا على دعائم العلم الصحيح، فإذا انعدم انعدمت.

وللحياة الاقتصادية أسس وقوانين قررها العلم، يجب أن تُعلَم وتُتَّبع، وإلا كان عمله ضائعا قليل الجدوى إن لم يكن وبالا عليه.

إن من يغشى ميادين الاقتصاد وهو أعزل من سلاح العلم كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، أو كمن يغشى موائد القمار ويحاول وهو غرّ أن يلعب مع أمهر المقامرين، أفتُرى هذا المقامر المغامر بعرضه يخرج من هذه المحاولة رابحا، أم لا يخرج إلا خاوي الوفاض بادي الأنقاض؟ وهل يحمد له هذه المحاولة عقل أو يستحسنها طبع؟ كلا. كذلك حالة من يغشى ميادين الاقتصاد بدون أن يدرس السنن التي ناط بها الله تعالى طلب الرزق وتسهيل سبل المعاملات. يظل حياته يكدّ ويكدح ثم لا يزال حليف الفاقة أو متوسط الحال، يملك مالاً يسمّى به فقيرا، يستحق به عطف المحسنين.

ولو كانت تلك الجهود التي صرفها في حياته والتضحيات التي ضحاها وراء جمع الثروة كانت من إنسان عليم بقواعد الاقتصاد خبير بطرق الاكتساب ومناهج الإثراء، لكانت ثروة تذهل العقول وتحيّر الألباب.

وما تركنا أبناء هذه الأمة المسكينة قاب قوسين أو أدنى من الفقر إلا دخولنا ميدان الاقتصاد عُزْلاً من العلم، إلا تجارب تقليدية لا تسمن ولا تغني، ما تركنا في أخريات الأمم إلا ذاك، في حين أننا نشاهد عِبرًا لو كنا نعتبر، وذكريات لو أننا ندّكر.

٧٤ / ١٤٢