محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٧٥يتعامل أحدنا مع شخص دخل هذا الميدان عن علم فيولد لهذا الشخص ولد، ولا تزال المعاملات جارية بينهما حتى يكبر ذلك الولد، ويُتم دراسته ثم يدخل مع والده معترك الحياة وقد تزود بما يؤهله أن يضرب في هذا المضمار بسهم صائب، وينال فيه حظا وافرا في أقرب وقت، وإذا بأخينا وقد نجم ابن صديقه وأصبح يتعامل معه كما كان يتعامل مع والده، وإذا بذلك الشاب يصبح ذا ثروة واسعة وصيت، وإذا بأخينا لا يزال يطرق أعتابه طالبا بعض الإمداد والمساعدة، وهكذا يمر عمر أخينا وقد استهلك عقودا من السنين في هذه العملية الشاقة دون أن يحصل على طائل، وإذا بذلك الشاب الذي كان يداعبه في صغره يتكلم معه في شموخ وكبرياء، وما كان له أن يبلغ هذا المستوى لو اقتحم غمرات ذلك الخضم المتماوج عن جهل وغباوة، أو استقر على ما نقتصر عليه نحن من تقفي بعضنا آثار بعض، ولو كان المقفّى على ضلال في سيره وخطإ في سعيه.
وبالجملة فقد أخطأنا الغاية إذ جهلنا الوسيلة. والأمل وطيد فيكم أيها السادة بأن نسعى سعيًا حثيثا، ونتدارك نقصنا، فنتجافى الأسباب التي سببته لنا في المستقبل.
هذا، والنقطة المهمة التي تجب ملاحظتها في هذا المقام هي أن الأمم لا يعترف لها بحيويتها ولا بانتظامها في سلك الأمم إلا إذا شيدت حياتها على الدعامات الثلاث، على أنها لا يمكنها إقامتها عليها إلا إذا وجهت عنايتها إلى التعليم الصحيح، وصدقت نيتها في طلبه.
وإليكم شاهدا تاريخيا فيه عبرة لكل أمة طال عليها أمد الموت الاجتماعي، وأرادت رقيا ونهوضا كيف تسلك إلى غايتها؟