محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٧٦

إن دولة بولونيا كانت أمة ذات سيادة ووحدة استقلالية، ثم قلب لها الدهر ظهر المجن، فجعلها من بعض حوادثه، ودارت عليها رحى الأيام فأدمجتها في غيرها، ولم يسعها إلا أن تنزل على حكم الدهر، فلما أراد الله إحياءها نفخ في بعض أبنائها روح التعطش إلى العلم، فنفرت منهم طائفة اعتصمت بشغال الجبال، وآوت إلى المغاور والكهوف، منكبة على تحصيل العلم، منقطعة عن كل ما يصرف عنه. جاعلة نصب عينيها غاية، وهي أن تحرير أمتها من نير الاستعباد، وانتشالها من حفرة الموت. أجل، لما نالت منه بغيتها واتخذت منه عدتها، نظمت أمرها وشكلت إدارتها، ووقفت على أهبة الاستعداد، مظهرة لمن عقدت عليه العزم ليمد لها يد المساعدة في استرجاع ذاتيتها، أنها جديرة بذلك وأهل. هنالك أرسلت من تلك المرتفعات صرختها الداوية إلى الأمم القوية التي علقت عليها آمالها، طالبة نصرتها، وهناك إذ رأت استعدادها العلمي بلغ بها إلى تلك الدرجة لم تتردد في نصرتها، فأصبحت بعد أن ذاقت مرارة الذل والهوان دولة مستقلة تميس وتمرح في مطارف العز والحرية.

وها هي اليوم من الدول التي لها في العالم صوت يُسمع، وحق يُحترَم، ومكانة لا تُنكَر.

فهل يمكنها وقد ضربت عليها الأجيال المتطاولة عناكب الإدماج، أن تعود إلى الحياة الاستقلالية لو لم تنهج منهج العلم؟ لا والله، ولو استجاهت بأمم الدنيا قاطبة.

وعليه، فالحجر الأساسي في بناية الأمة هو العلم الصحيح، فإلى العلم الصحيح أيها السادة !

٧٦ / ١٤٢