محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٧٧وما قيل في بلونيا يقال في دولة اليابان، هذه الدولة الشرقية من أعظم دول العالم الذي يخاف جانبها، وفي الرعيل الأول في الرقي العلمي والمدنية الزاهرة، وناهيك بدولة روسيا القيصرية، التي كانت ترتعد من خوفها فرائص العالم، ومع ذلك فقد فرت هذه الدولة الشرقية جلدها في الحرب المشهورة التي نشبت بينهما سنة 1904م، لم تكن هذه الدولة قبل ذلك بجيل شيئا مذكورا، ولا كان جانبها مرهوبا، فلما أحست ضعفها وأدركت الخطر الذي يحدق بها، إن دامت على حالتها العتيقة، ولم تقتحم غمرات الاستعداد بالوسائل الحديثة ارتمت في أحضان العلم مرة واحدة، وأرسلت بعثاتها إلى مختلف الدول الأروبية العظيمة، فعادت من هناك ملأى الحقيبة بأساليب الحياة ووسائل الدفاع، وانبرت لإصلاح داخليتها ماديا وأدبيا، وظلت معتمدة على نفسها حتى بلغت إلى ما عليه الآن من المكانة الرفيعة والقوة المنيعة.
هذا ولا أزال أكرر وأقول: إن الأمم لا تتم لها سيادة إلا إذا أمست حياتها على دعائم ثلاث: الحياة الدينية والحياة الفكرية والحياة الاقتصادية. فبالحياة الدينية يكون لها وجدان حي، وبالحياة الفكرية تستطيع أن تفكر فيما يمليه عليها وجدانها، وبالحياة الاقتصادية يتسنى لها تنفيذ فكرتها، فإذا أضحت حساسة مفكرة عاملة كانت حقا كاملة، ولكن كيف تقوم بنهضة علمية تستكمل شروط الحيوية، وأمتنا غارقة في سباتها العميق؟ هل نوزع عليها منشورات ندعوها إلى العلم وتأسيس المدارس، وجعل التعليم إجباريا، إلى غير ذلك مما هو من مخططات الحكومات النظامية، أم ماذا؟
وهل إذا أهبنا بأمتنا تصغي لأوامرنا فتصبح خائضة غمار التعليم؟ وهي على ما نعلمها عليه زهدًا في العلم وما تصرَّف منه، وتصامما عن سماع صوت داعيه؟