محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٨هذا وقد حدا بي إلى طرق هذا الموضوع ما أراه من واجب التبشير بهذا الدين العظيم الذي جاء به سيدنا محمد، ونشر محاسنه احتسابا بين بنيه وغيرهم في كل مناسبة، حتى تنطبع نفوسهم بطابعه. لا سيما في ذكرى مولده - صلى الله عليه وسلم - ، أنسب مناسبة للقيام بهذه الدّعوَة المباركة، والإشادة بهذا النبي العظيم، الذي أطلعه الله شمسا مشرقة في سماء العالم، ترسل أشعتها المضيئة، فتنير ما احلولك من زواياه.
أجل، لا يعزب عني ولا عن أحد الباحثين العقلاء أن حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحر لجّيٌّ طام عجاجه، زخّار تياره، مترامية أطرافه، متنائية سواحله، بعيد غوره، خطير مسبحه. وإن من يحاول الأخذ بتلابيبها ولمّها من أطرافها، واستخراج كنوزها، كان كمن يحاول قطع الأقيانوس سباحة، وهيهات هيهات لسابح أن ينجح في محاولته، وإن بلغ الغاية!!، ولكاتب أن يحيط بجوانب النفس المحمدية، وإن قيل إنه النهاية.
وإذا كان اللائق بالسابح إن أراد نجاحا أن يرتاد شاطئا من شواطئه، فأجدر بالكاتب إذا أراد أن يكتب عن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يختار ناحية من نواحي حياته، فذاك أرجى له في نيل مراده وتحقيق غايته.
وبعد.
فإني ملقٍ دلوي مع الدلاء ومشارك في نشر الهداية المحمدية، والإشادة بهذا الرسول الكريم، رغم عجزي وجهلي الفاضح، وهيهات أن يتأتي مدح محمد حق مدحه، ولو من ناحية واحدة، هيهات!
ما إن مدحت محمدا … بمقالتي … لكن مدحت … مقالتي بمحمد(1)
وشفيعي لدى القراء الكرام صفاء السريرة وحسن القصد، ثم إني بعد أن أقدم خلاصة في حياته العامة، أتناول موقفا من مواقفه التي قلّ عنه كلام المؤرخين وغفلوا عن استنطاق جزئياته، والقرائن الحافة به كخاتمة لتلك الخلاصة.
(1) – البيت لحسان بن ثابت في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، انظر: المثل السائر،ج2 ص 357.