محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٨٤هذا، وقبل الشروع فيه لا بد لي من التنبيه على نقطتين:
الأولى: قد ترد في محاضرتي هذه بعض كلمات ككلمة الجمود مثلا، ربما يعتبرها البعض نبزا منّي وطعنًا، وأنا -علم الله- لا أقصد بها ذلك، فلسنا في حاجة إلى التنابز، وإنما أقصد بها -لا غير- التمييز بين فكرتين كانتا تتصارعان في وطننا حقبة غير قصيرة من الزمن، ولولا المحافظة على أمانة التاريخ ما كنا في حاجة إلى إيرادها.
الثانية: أن مدلول الثقافة في عصرنا أوسع نطاقا منه في أي زمن سبق، بل يكاد يكون في الماضي منحصرا في العلم والتعليم والعمل بمقتضى ذلك. لذلك لا أتناول في كلمتي إلا جانب العلم والتعليم بقسميه العربي والفرنسي.
ويمكن حصر موضوعنا في النقاط الآتية:
1. التعليم قبل مجيء فرنسا إلى ميزاب.
2. التعليم في عهدها، وتطوره بميزاب من العشرينيات إلى الاستقلال، بما في ذلك من العراقيل التي كانت تبثها إدارة الاستعمار الهادفة إلى استدامة حياة الجهل في الأمة.
3. كلمة عن حياة التعليم في بريان خاصة.
التعليم قبل مجيء فرنسا إلى ميزاب
أما التعليم قبل مجيء فرنسا فقد كان عربيا محضا، ودينيا في الغالب، يدور حول فلك الكتاب والسنة والإجماع، من تفسير وحديث وسيرة وتاريخ وأصول الدين والفقه، ومن نحو وصرف وبلاغة إلى غير ذلك. وكان على الطريقة المعهودة في ذلك العصر، لا في ميزاب والجزائر فحسب، بل حتى في العالم العربي؛ حاشا بعض دوله العريقة في الحضارة والثقافة كمصر مثلاً.
غالبه يهدف إلى نشر الثقافة الدينية، وإلى المحافظة على اللغة العربية، التي هي لغة الدين، وإلى غرس الأخلاق الإسلامية في الأمة وحملها على السمت القويم علميا، على غرار ما كان عليه الرعيل الأول من سالف الأمة، وإلى نشر تاريخ الإسلام مكتوبا بالدماء والدموع، غرسًا للروح المِلِّيّة في ناشئة البلاد، ومحافظةً على مآثر الآباء والأجداد، وتلقينًا للخلف بطولات السلف.