محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٩٣كان بريان في مستهل القرن العشرين حتى الحرب الكبرى (14-18) -بله ما قبل ذلك- يعيش عيشة أقرب ما يكون إلى البادية منها إلى حياة الحضر: جود وشجاعة في بساطة وسذاجة، وسلامة فطرة في أمية عريقة، بحيث لا تكاد تجد من بينهم مثقفا لامعا، خلافًا لمجموعة قرى الوادي، اللهم إلا ما كان من بعض الشيوخ في فترات متقطعة من تاريخها، كالشيخ الطالب بن باحمد بن يحي، والشيخ عيسى بن باحمد بن عفاري، وإلا ما كان من زيارة بعض مشائخ ميزاب البارزين كالفطب اطفيش، والشيخ صالح الغرداوي، فإنهم لما رأوا انعزال بريان عن مجموعة الوادي، ما فتئوا –سيما القطب- يعقدون رحلاتهم إليها بتلاميذهم يقضون في بريان الليالي ذوات العدد، يفقهونهم في الدين ويتخولونهم بالموعظة الحسنة، ويوجهونهم إلى تكوين من يحمل أمانة الله منهم، وكذلك سار تلاميذ القطب النابهين، كالشيخ بكلي سليمان بن حاجو، الذي ظل قاضيا ببريان ما يقرب من عشرين سنة، قام فيها بالوعظ والإرشاد على رأس المسجد، وإن له لتلاميذ لا يزال بعضهم على قيد الحياة. وكالسيد ذواق داود بن إبراهيم الذي كان قاضيا بها كذلك.
ثم ارتحل بعض أبنائها الطلبة إلى ميزاب فلازموا حلقة القطب رحمه الله، تخرج منهم أمثال السادة الداغور الحاج الناصر بن الحاج إبراهيم الذي تولى منصب القضاء فيها، واعمارة بن صالح موسى المال، الذي حسر عن ذراعيه لنشر العلم، لولا أن عاجلته منيته، وقرقر الحاج إبراهيم بن صالح الذي تولى فيها منصب العدالة فالقضاء، وكان على رأس هيئة العزابة واعظًا.
وما قيل في حق هؤلاء يقال في حق الأديب الألمعي الداغور حمو بن الحاج الناصر الذي تلقى دراسته بتونس، وكان يتمتع بقسط وافر من الذكاء والتحصيل والجد، وكان له عزم صادق أن ينهض ببريان علميا،لولا أن عاجله ريب المنون في ريعان شبابه. والأمر لله.