محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض (غير مرتبة) محمد بن صالح ناصر

محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - غير مرتبة

الجزء ١ · صفحة ٩٧

عزيزي، ما خُدعت عن نفسي قطُّ، ما خُدعت في قضية ارتحالك. فلقد يسَّره عليَّ وسهَّل أمره. وخفَّف أثره تلك الدمعة المترقرقة في عينك، وتلك النبرة المتهدِّجة في صوتك، وذلك الشحوب البادي على وجهك، الدالَّة على وحشة غريبة في غربتك وشوق شديد إلى أبويك، وحنين متلهِّب إلى مسقط رأسك، كلَّما جئت تستأذن في الرحيل أو تسائل عن السبيل، فأعطف عليك وأحنو وأشفق. ثمَّ أذكر شيخيك الجليلين وكيف تتلظَّى منهما الأكباد وتتقرَّح الجفون إشفاقا على وحيدهما، وحنينا إليه وشوقا إلى رؤيته، وهما يدلفان إلى الغاية المحتومة ويخافان - وقد بنت الحرب بين الأقطار سدودا منيعة - أن يحول الجريض دون القريض، وأن لا يتمتَّعا مرَّة برؤية من أنجبا، بطلا مغوارا يصول في الميدان بعد أن تمتَّعا به صبيا مرحا طروبا يلعب في الفناء مع أبناء الجيران، وغلاما يافعا يحمل الكتاب إلى الكُتاب، ذاهبا آئبا يتخطَّى إلى النجاح رقاب الأقران. أذكر ذلك فيحنُّ القلب ويرقُّ ويلين فآذن وأستجيب، ثمَّ أسعف وأسعد وأعين، وما أدري أنِّي سأُمتحَن امتحانا قاسيا بثكل الوالد وحرقة كبده.

أي ولدي، إنِّي لأذكرك في كلِّ مجلس ولكلِّ حقير من المناسبة وجليل، فأحسُّ بلذعة الشوق وحرقة الفراق. بيد أنِّي أكفكف الدمعة وأطفئ اللوعة بذكرى أنَّك لهذا خُلقت، وله وحده تقحَّمت أخطار الأسفار وتحمَّلت أثقال المشاقِّ حتَّى كان ما كان بيننا من تلاق، لا يظهر أثره، ولا يعلو خطره، ولا يستعلن خبره، ولا تبدو ثمرته، ولا تحمد مغبَّته، ولا تدرك غايته إلاَّ بالفراق. فأنت والله كدينار الحريري، أو أبي زيد السروجي. فأعنِّي على مغالبة أشجاني بأخبارك السارَّة وأنبائك الممتعة الهامَّة.

٩٧ / ٣٤٠