معجم أعلام الإباضية للشاملة غير منسق
الجزء ١ · صفحة ٤١١بلغت الدولة الرستميَّة في عهد الإمام عبد الوهَّاب شأوًا بعيدًا في الحضارة، فكانت لها علاقات الندِّ للندِّ مع الأمويِّين بالأندلس، ومع الأغالبة في إفريقية، ومع المدراريِّين في جنوب المغرب الأقصى، وعلاقات تجاريَّة وطيدة مع إفريقيا جنوب الصحراء، ومع إِبَاضِيَّة المشرق… فإذا كان عبد الرحمن ابن رستم قد وضع أسس الدولة، واهتمَّ بسياستها الداخليَّة، فإنَّ عبد الوهَّاب أعطى لها أبعادًا أخرى، نعرفها من شهادة ابن الصغير، إذ يقول: «…كان ملكًا ضخمًا، وسلطانًا قاهرًا… قد اجتمع له من أمر الإباضيَّة وغيرهم ما لم يجتمع للإباضيَّة قبله، ودان له ما لم يدن لغيره، واجتمع له من الجيوش والحفدة ما لم يجتمع لأحد قبله… حاصر مدينة طرابلس، وملأ المغرب بأسره إلى مدينة يقال لها تلمسان…».
والإمام عبد الوهَّاب، هو الإمام الأكثر ذكرًا في المصادر - الإباضيَّة وغيرها - ولعلَّ ذلك يعود إلى التأثير الكبير الذي تركه في الحياة الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية، والعسكرية… فقد اتَّسعت دولته من حدود مصر شرقًا، إلى مدينة تلمسان في أقصى المغرب الأوسط غربًا، بل إنَّ هيمنته شملت في بعض الأحيان دولة بني مدرار في المغرب الأقصى…
وفي عهده الذي دام سبعًا وثلاثين سنة (171-208هـ) عرف الرستميُّون قمَّة مجدهم الحضاريِّ في الداخل والخارج، نشَّطوا الزراعة، ووفَّروا أسبابها، وروَّجوا التجارة، ووفَّروا لها الأمن، وزهت الحياة الثقافيَّة وارتقت، فقصد عاصمةَ الرستميِّين العلماءُ والطلبة والناس من مختلف المذاهب، وسمحوا بحرِّية التعبير والفكر، فتنافست التجارة والثقافة في أدوار لا تزال بحاجة إلى البحث والدراسة من قِبل الباحثين والأكادميين.