الرياضة من الممارسة إلى الاعتقاد جابر بن محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الرياضة بين المماسة والاعتقاد لجابر ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٦

إن المتتبع لهذه الرياضة يجدها من أكثر الوسائل التي استطاعت التوحيد بين شعوب كثيرة وقربت المسافات بين أديان متناحرة وعقائد متناقضة، فالجماهير باختلاف توجهاتها وتباعد اعتقاداتها تتوحد في مناصرة فريق: تجمعهم قضية واحدة هي الرفع من شأنه ومؤازرته في السراء والضراء فيضحى من أجله بالنفس والمال. فالفريق هو الهوية وهو القضية، وهو المحيا والممات. قد تستهجن هذه الكلمات وقد يثور الشاب إن وصفته بهذه الأوصاف، ولكن للأسف هو الواقع المعيش، فتسمع في الكثير من المجالس –وقد أصبحت ظاهرة عامة- أن الحديث يتم بصيغة "نحن": فنحن اشترينا ذلك اللاعب بكذا مليون، ونحن فزنا، ونحن، ونحن، … ولو حاولت أن تعرب هذا الضمير فإنك أكيد ستخفق، ولو استنجدت بسيبويه فسيعتذر إليك حالا لأن الموضوع تجاوز اللغة وانتقل إلى الهوية.

فالعلاقة التي تجمع بين المشجعين للفريق تتعدى كونها علاقة مناصرة وتحفيز، بل تحولت إلى كونها علاقة حب وبغض "في الفريق". فقد تجد في البيت الواحد خلافا حادا بين الأبناء إذا كانت المباراة تجمع بين "الغريمين التقليديين" على حد تعبير الصحافة، والأخطر عندما يكون الزوجان يشجعان فريقين مختلفين وتصادف أن فاز أحدهما على الآخر، … النتيجة أن ينام أحدهما في الصالون، فيتحول الهجر في الفراش من تعاليم للشرع تراعى فيها المقاصد إلى تعاليم دنيوية زائلة. "فالعلاقة القوية تحت مظلة الفريق المفضل لديهم (بين المشجعين) منحتهم ثقافة مشتركة بقوانينها وقيمها"(1). هذه الثقافة تحولت إلى معتقد لا يحق المساس به، بل أصبحت الخسارة في مقابلةٍ يساوي خسارة في الأهل أو في العرض، فنجد رجلا ذا بنية يبكي على خسارة فريقه المفضل، فأي رجولة هذه. إن "من اجتهد في حب كرة القدم إلى حد الجنون، وضيع علاقاته الروحية مع الله تعالى، بتركه الصلاة، أو تأخيرها، أو أدائها من دون خشوع … فقد خسر غايته من الحياة (رضا الله تعالى)، وبات في عيشه بلا وجهة ولا معنى، وهذا هو الخسران المبين، والضلال البعيد"(2).

قصة واقعية:

في بداية 2013، تناقلت بين طلبة الثانويات الفرنسية نكتة ساخرة بين علمين من أعلام كرة القدم العالمية، ميسي وابراهيموفيتش، يظهران فيها شهرتهما التي تجاوزت الآفاق:

- ابراهيموفيتش: «لقد أرسلني الاله لأعلم البشر كرة القدم».

- ميسي: «هناك خطأ ما، فأنا لم أرسل أحدا»

«هذه النكتة تظهر حقيقة أن آلهة الملعب هم بيننا، وانجازاتهم ظاهرة للعيان وتستحق الاهتمام»(3)، وهي تظهر حقيقة مرة أن أبناءنا يراهنون بمصيرهم الأخروي في مقابل رياضة قد تفيدهم دنيا وقد تكون سببا في خسرانهم أخرى. "ويعتقد بعض الدارسين أن عددا من المشاهير، مثل: مارادونا، ورونالدو، وزيدان، وبيكام، … هم الآلهة الجدد لكرة القدم، والمشاهد

(1) - Football passion as a religion: the four dimensions of a sacred experience ; François Fulconis، and Gilles Pache، Society and Business Review Vol. 9 No. 2، 2014 p: 166، web 01/ 03/2016

(2) - حدد غايتك، محمد باباعمي، دار وحي القلم، دمشق – سوريا، ط1: 1434 هـ / 2014، ص: 57.

(3) - Ibid. p: 181.

٦ / ١٠