الشباب بين الواقع والطموح
الجزء ١ · صفحة ١٥كان الوضع هذا هو لا ريب أن أبا عبيدة كان من الناس الذين يدركون تمام الإدراك حقيقة الإسلام الحقة الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الإسلام لم يأت لتسخير البشر للناس بل لتحرير هذه الإنسانية وجعلها في منزلة سواء لا تتفاضل إلا بتقوى الله ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (1).
ولذلك كان يحرص دائماً على تتبع أحوال المسلمين في العالم، وكان محاصراً حصاراً شديداً، بعدما سجن في سجن الحجاج بن يوسف هو وضمام بن السائب وقد أطال الحجاج سجنهما حتى صارا يجزان شاربهما بأسنانهما، واستشار الحجاج طبيباً مجوسياً في إطعامهما طعاما يعذبهما ولا يقضي على حياتهما فأشار عليه بأن يطعمهما الزيت والكراث، وقد أحسن المجوسي في ذلك، فإن هذا الطعام ما ينفع البدن ولكن مع ذلك فهو طعام غير مألوف، والطعام الواحد تعافه النفوس عندما تستمر عليه حتى تمله، حتى ولو كان مألوفا فكيف بغير المألوف؟؟ ولربما حاول بعض أصحابهما أن يدخل عليهما في بعض الأوقات شيئاً من الطعام ولكن مع الحذر البالغ من أن تنبه الحراسة لذلك إلا من يوافق من الحراس على أن يقوم بهذه المهمة في مقابل شيء من المال يعطاه، وفي يوم من الأيام أدخل لهما شيء من الخبز مع لحم الدجاج وقد سمعا بعد ذلك شيئاً من الضجيج على باب السجن فظنا أن السجان ومن معه تنبهوا لذلك فألقوا بذلك الطعام في الكنيف ولكن اكتشفا من بعد أن تلك الضجة كانت لأمر آخر، يقول ضمام: فوجدنا من فقد ذلك الطعام أمراً عظيماً ولربما ضاق ضمام ذرعاً بطول هذا السجن، وبسوء هذه المعاملة فيقول له أبو عبيدة الرجل الواسع الصدر: على من تضيق يا ضمام؟!
مدرسة أبو عبيدة تصنع الرجال
(1) الحجرات/ 13