الشباب بين الواقع والطموح أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الشباب بين الواقع والطموح

الجزء ١ · صفحة ٢١

وقاموا بالأمر وجاءوا إلى عامل الخليفة في بلاد طرابلس، ولأنهم ما قاموا إلا بالعدل وما حرصوا إلا على امتثال أمر الله سبحانه وتعالى، خيروا ذلك العامل بعد أن استسلم لهم بين أمرين أن يكون معهم وله ما لهم وعليه ما عليهم، وبين أن يخرج آمناً ويزود بما يحتاج إليه من الطعام لطريقه للمحافظة على حياته، ومن السلاح لأجل غارة قطاع الطرق عنه، فاختار الخروج فخرج من بينهم سالماً من غير أن يؤذوه فضلاً عن قتله، هكذا كانت المعاملة، وهكذا كان الاعتدال، ثم بعدما اشتهر أبو الخطاب بعدله ومساواته بين القوي والضعيف وكانت قبيلة (ورْفَجُومَة)(1) الصفرية متسلطة في بلاد القيروان وتعيث فيها فساداً، نادت امرأة بعدما نالها ما نالها من الظلم من هذه القبيلة: يا أبا الخطاب! وكان رجل ماراً بها وسمع هذا النداء فأخبر أبا الخطاب بهذا النداء، فلم يتردد أن يقول: لبيكِ يا أختاه. وبكى وسلَّ سيفه وقطع غمده ونادى إلى الجهاد، فخرج الناس للجهاد في سبيل الله ولما وصلوا إلى المدينة وحاصروها وأخرجوا تلك الطغمة الجائرة فيها، ظنَّ الناس بعد خروجهم من الحصار الذي كان أنهم سيجدون متاجرهم قد نُهبت وسيجدون زروعهم قد صُرمت، وسيجدون مزارعهم قد أتلفت فإذا بهم يجدون كل شيء على ما هو عليه، حتى أن جند المقاتلين لم يُؤخذ من أسلابهم شيء، وقد مرَّت امرأة بالقتلى وهم في ميدان المعركة وعليهم أسلابهم فقالت: كأنهم رقود. فسمي ذلك المكان رقَّادة(2) ولا يزال يسمى بذلك الاسم إلى الآن.

(1) إحدى بطون قبيلة نفزة (نشأة الحركة الإباضية، د. عوض خليفات ص‍).

(2) هي منطقة قريبة من القيروان التجأ إليها أبو الخطاب المعافري ليوهم العدو –ورفجومة- أنه انسحب فتعقبوه ولما وصلوا رقادة فوجئوا بكمائنه ودار قتال بين الطرفين انتصر فيه أبو الخطاب وهربت ورفجومة إلى القيروان، (مصدر سابق، ص‍).

٢١ / ٢٩