فقه البنيان لعبد الله العيسري
الجزء ١ · صفحة ١٦من أُريد له العقوبة يُحبَس لا يستطيع أن يرى السماء، أما من أُريدَت له الفسحة جعلوه يخرج إلى الصحراء أو إلى مكان يستطيع أن يطل منه على هذا الكون.
وكذلك هذا الفناء لم يُقصد منه مجرد الإطلالة على السماء فقط وإنما فيه جانبٌ نفسي آخر راعاه المسلمون وهو أن هذا الفناء يستطيع من خلاله أن يوفر الجو اللطيف للمنزل وهذا يقودنا إلى جانب آخر من الجوانب النفسية وهو الهواء. وقضية مراعاة مداخل الهواء ومخارجه من الأمور التي راعاها علماء الاجتماع من المسلمين وطبقها المهندسون المعماريون في العصور الإسلامية الأولى – إن صح التعبير -؛ يقول ابن الأزرق في كتاب ( بدائع السِلك في طبائع المِلك ): ( المسألة الثالثة أن التي تجب مراعاته في أوضاع المدن أصلان مهمان: دفع المضار وجلب المنافع. الأصل الأول دفع المضار وهي نوعان أحدهما أرضية … إلى أن قال : الثاني سماوية، ودفعها باختيار المواضع الطيبة الهواء لأن ما خبُث منه بركوده أو تعفَّن بمجاورته لمياهٍ فاسدة أو مناقع متعفنة أو مروجٍ خبيثة يُسرِع المرضُ فيه للحيوان الكائن فيه لا محالة كما هو مُشاهدٌ بكثرة )؛ فقضية اختيار المكان الطيب الهواء أمرٌ راعاه علماء الاجتماع من القرن الثامن وما قبله. وأما عن التطبيق فانظروا إلى أغلب المنازل القديمة الموجودة عندنا في عمان، تجد أن الناس كانوا يوجهون بيوتهم إلى أين؟ إلى الجهة الحدرية..لماذا؟ لأنه في وقت الصيف تهب ( هبوب الكوس )، وهذه هبوبٌ لطيفة مطلوبة في وقت الصيف..تأتي من أين؟ تأتي من الجهة الحدرية، فتدخل إلى البيت فيحس أهله بالراحة. وفي الشتاء يهب ( العَلوي ) من الجهة المعاكسة، فإذا جاء اصطدم وارتطم بالجدار لا يستطيع أن ينفذ منه لداخل المنزل، وهذا يؤدي إلى أن تقل أمراض الشتاء المعروفة كالزكام والرشح والانفلونزا وغير ذلك من الأمراض، فهذا مراعاة لجانب نفسي مهم.