فقه البنيان لعبد الله العيسري
الجزء ١ · صفحة ١٩والعلامة ابن عاشور في ( التحرير والتنوير ) ذكر كلاماً مهماً عند قوله تعالى : ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾الشعراء128 مفاده أن هذه المباني التي يبنيها قوم عاد كانت في أساسها من المباني التي يستفيد منها الإنسان كصهاريج المياه والعلامات التي ترشد السائرين في الطريق، ولكن حينما وُجد قصد العبث وقصد التباهي عد الله سبحانه وتعالى ما يبنونه من العبث المنهي عنه شرعاً. ويوضح ابن عاشور أنه إذا كان الإنسان يبني بناء مباحاً ولكنه يقصد به خلاف طاعة الله فإنه يُنهى عنه شرعاً، فكيف إذا أُضيف إلى هذا القصد توفر جانب الإسراف والترف والخروج عن اللازم الذي يجعل الإنسان في عداد المترفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؟!!
ولعل قائلاً يقول: هذا هو الجانب النظري..فكيف يمكن أن نفهم ما هو القدر الذي يمكن للإنسان أن يلزمه فلا يُعَدّ مسرفاً؟ ونحن نقول بأن هذه القضية لها جوانب متعددة، جانبٌ منها يتعلق بالمواد التي يُبنى بها وجانبٌ منها يتعلق بالمساحة التي يبني بها الإنسان. أما فيما يتعلق بالبساطة في المواد المستخدمة فقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما أراد بناء مسجده عمد إلى أرضٍ فاشتراها وكان بالأرض عند شرائها نخيلٌ وقبورٌ للمشركين، فأمر بالنخيل أن يُقطع وبالقبور أن تُنقل ثم استخدم اللبِن للحوائط وجذوع النخل للأعمدة وجريد النخل لسقف المسجد. وورد كذلك أن باب بيت عائشة رضي الله تعالى عنها كان من العرعر وهو نوع من الشجر يشيع في الحجاز. هذه النصوص تعطينا درساً هاماً في استعمال مواد البيئة واستثمار خاماتها الطبيعية المتوفرة في بناء المشروعات سواء كانت عامة أو خاصة، فينبغي للمسلمين أن يستخدموا من مواد البناء ما يتناسب مع بيئتهم.