ست خطب منبرية خميس بن سليمان بن حميد المكدمي

ست خطب منبرية لخميس المكدمي

الجزء ١ · صفحة ١٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الخطبة الرابعة: من نفحات الإسراء

الْحَمْدُ للهِ الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، سرّى بهذه الرحلة عن نبيه مما كان يلقى، ودحر بحجتها الدامغة الكافر الأشقى وأعلى بتصديقها الكريم الأتقى والصلاة والسلام على النبي الأنقى، الذي صبر وصابر في سبيل هذا الدين ليبقى، وعلى آله وصحبه الكرام صلاة دائمه إلى يوم فيه المهيمن نلقى.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:

اتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوهُ، وَامْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاذْكُرُوهُ وَلاَ تَنْسُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلاَ تَكْفُرُوهُ.

وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمْ اللهُ – أن أمتنا الإسلامية المجيدة تمر بها هذه الأيام ذكرى عطرة، نتفيؤ ظلها، ونستشق عبير شذاها، ذكرى غالية على قلوب العارفين المؤمنين، ألا وهي ذكرى الإسراء والمعراج قال تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [سورة الإسراء:1] ذكرى تمر علينا وأمتنا تكفكف دمعها حينا وحينا ترقب بارقة أمل في صحوة تعيد لها مكانتها وعزتها وسؤددها، ذاك لأن بعد الزمان بينها وبين حياة نبيها وما جاء به من رسالة خالدة ودعوة نيرة دفعها لتنسى تلك الحياة التي عاشها نبيها وتلك البطولات والتضحيات التي قدمها نبي الهدى وأصحابه الكرام البررة رضوان الله تعالى عليهم في سبيل هذا الدين وتعاليمه السامية السامقة ولأنه لم يصل إلينا على طبق دون تضحيات بل سالت دونه المهج وفاضت في سبيله الأرواح وتجندلت الجماجم نصرة لهذا الدين وأوذي فيها رسول رب العالمين فمن إيذاء بالتكذيب والنبز والاتهامات الآسنة والرمي بالجنون والشعر والسحر إلى إيذاء الأصحاب والأتباع والتنكيل والتغرير بهم ومضادتهم وسلبهم أبسط حقوقهم إلى التجويع والحصار يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله الذي لا إله إلا هو لقد أتت علي أيام في أول الإسلام ما لنا طعام إلا ورق الشجر، ولقد كنا نأكل من أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقنا -أصبحت مثل أشداق الجمال من أكل أوراق الشجر- قال: فانتهى ورق الشجر حتى وجدت جلد ميتة فأخذته فأحرقته بالنار ثم سحقته ثم شربته على الماء" هذا مالا قوه من الحصار إلى التعذيب والتنكيل والتغريب والتهجير من ديار درجوا فيها واستنشقوا عبيرها وطلعوا ونزلوا فيها إلى مطاردة لهم في كل فج ووهاد ومحفل وناد فلله تلك النفوس كيف بذلت وذاك النبي الكريم كيف ضحى أوذي في نفسه فصبر وفي أهله فتحمل وفي عشيرته فتجلد لم تزعزعه المغريات ولم تكسر شوكته الملمات عرض عليه الملك وجرت خلفه الدنيا فما رضخ ولا استكان، ولا ذل ولا لان، فكان كالطود الشامخ الراسي وكالحجر الجلمد القاسي في سبيل الماكرين وكانت معية الله معه أينما اتجه وسار وحل وارتحل نصر من الله وأي نصر وتأييد وتمكين منقطع النظير قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" [محمد:7] ولقد جاءت حادثة الإسراء بالنبي الكريم في وسط

١٢ / ٢٤