ست خطب منبرية خميس بن سليمان بن حميد المكدمي

ست خطب منبرية لخميس المكدمي

الجزء ١ · صفحة ١٣

ظروف شتى من الإحن والمحن ألمت به عليه السلام فمن وفاة لراعيه والمدافع والمكافح عنه عمه أبي طالب الذي وقف في وجه الشرك نصيرا للنبي على المشركين إلى رحيل الغالية على قلبه التي آزرته بالمال والعيال السيدة خديجة بنت خويلد رضوان الله تعالى عليها (فعَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ قَالَ نَعَمْ بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ) إلى العنت والتكذيب الذي لاقاه من أهل الطائف حين أتى إليهم بالنور والهدى راجيا تجنيبهم سبل الردى فقابلوا الجميل نكرانا والإيمان كفرانا ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:23] ليلتجئ إلى حائط وقلبه ملؤه الهموم ونفسه ملؤها الأحزان على قومه وعلى من كان حليفا له ليرفع أكف الضراعة إلى الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء إلى قاضي الحاجات ومقيل العثرات ومنزل الرحمات (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني! إلى عبد، يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) [أوده القرطبي في تفسيره]

وهنا تشمله عناية الله وترعاه عين الكريم وييسر المولى تعالى له نفرا من الجن يؤمنون به ويصدقونه ويتبعونه ويؤازرونه وتلك إرادة الله وأمره وقراره ومشيئته لما ضاق بدعوته الإنس آمن به الجن وحين رفض هداه أهل الأرض دعاه مولاه إلى السماء ليقوم برحلة سماوية يصعد فيها بروحه وجسده عن رغبات الأرض والطين ويرتفع برحمته إلى عليين وما ذاك على الله بعزيز قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ليعود بعدها وقلبه ممتلئا إيمانا على إيمان ويقينا على يقين ليقص ما حصل له على الناس فينقسم حينها أولئك إلى قسمين فمن مصدق تصديقا لم يخامره في ذاك الشك ومن مكذب له تكذيبا أيضا لا يخامره شك وهذا هو البعد والضلال والزيغ والوبال فأي تناقض هذا الذي وقع فيه المكذبون فحينا سموه بالصادق الأمين وحينا ينعتوه بالدجل والتكذيب قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [سورة الفرقان:44]

وتعود هذه الرحلة على المصطفى بعزيمة متقدة رباطة جأش جعلت منه يمضي في تبليغ دعوته للناس وتبصيرهم بأمور دينهم رغم الرياح الزعازع والرياح الهوجاء ليكتب الله لهذه الأمة ثباتا ويقينا وعزا وتمكينا سادت به العالم وخضعت لها الأمم وأسعدت الورى بعد أن كانت في الوراء وبسقت ثمارة دعوة مضى بها قرابة عشر سنين قضاها بجوار بيته الأمين فلله تلك الهمم العالية والنفوس الأبية. أَقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ

١٣ / ٢٤