-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ١٠٥فيا أيها الحجّاج الميامين، ها أنتم تؤدّون أعظم ركن في الحجّ بوقوفكم هذا من عرفات، فررتم إلى الله منيبين إليه وأنتم شُعثٌ غُبْرٌ، وقد تخليتم عن أوصاب الدّنيا وأوزارها واسترحتم من متاعبها ولأوائها، فتعرّضوا لنفحات الرّحمن مشوقين، فإنها طوع أمانيكم وملء جوانحكم في هذا الجوّ الملائكي الخاشع، حيث تتنزل الرّحمات وترفرف البركات. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الحجّ عرفة (.(1) ﴿الْحَمْدُ للهِ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلآَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ (الأعراف:43). فلطالما راودت الأماني كلّ واحد منّا ليقف على هذا الصّعيد الطّاهر المبارك، وليكون في زمرة هذا الحشد العظيم من الخلائق الولهى إلى رضوان ربّها، وليندمج صوته اللاهج بذكر الله ضمن هذه الأصوات المتبتلة الشّجية، وهي تبكي خطاياها وتشكو إلى الله رزاياها. فها نحن بحضرة الملك القويّ العزيز، والرّبّ الرؤوف الرّحيم، والإله الحكيم العليم، يعلم سرّنا ونجوانا ويسمع تظلمنا وشكوانا، ويبصر متقلّبنا ومثوانا، فلنستفتح أبواب مقامه الأعلى بشواهد الإخلاص والتّقوى، فإنهّا نعم المفتاح لخزائنه الزاخرة، ونعم المستدرّ لفيوضه الغامرة: ﴿فَادْعُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر:14)، ﴿لَنْ يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِنْ يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ (الحج:37).
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، أبواب الحج عن رسول الله، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، حديث 871.