-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ١٠٨فليذكر الشّاذّون الانفصاليون مغزى هذه القصة، وليصطحبو عندما يسرحون بأفكارهم أو يدبّرون مواقفهم من الجماعة، حكمة الله في هذه العبادات الجماعية كيف ضاعف فيها الأجر، وأضفى عليها صنوفا من الشّأن والقدر. ولم يحصر الرّسول الحجّ في "عرفة" إلاّ لأنها تمثل الصّورة الصّغرى للمحشر يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، وقد جاؤوا إليه فرادى كما خلقهم أول مرّة: ﴿فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ (المؤمنون:101). وليس لهم من تأشيرة لجواز الحضور والإقامة إلا ما ادّخروه من الإيمان الصّحيح والعمل الصّالح. وملائكة الله لا يحابون أحدا ولا يتملقونه لشرف ولا حسب، ولا يعذرونه للقب ولا منصب: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (غافر:17).
وهكذا نجد وراء كلّ منسك نؤديه في هذه العبادة المباركة معنى يتعلق بحياة المؤمن ومغزى يؤطّر توجّهه، ويثبّته على الخطّ المستقيم، فما علينا إلاّ أن نذعن لأحكام الله أولا، ثم نحاول أن نستخلص ما فيها من أهداف ومقاصد دونما مبالغة في التّأويل والتّفلسف، فكلّ الأركان في البناء الإسلامي المتماسك، إنمّا تهدف في مجموعها لترصيص صفوف المسلمين وتجميع شتاتهم ماديا وروحيا على مستوى كل الهيئات الاجتماعيّة.
فويل لكلّ من سعى للتفريق، وسُحْقًا لكلّ عمل أو موقف يتسبّب في خلخلة البناء الاجتماعي مهما كانت الدّوافع ومهما اختلقنا من معاذير، فلا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا.
فاللّهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، ووفقنا لصالح أعمالنا، واهدنا سبل رشدنا، وأخرجنا من الظّلمات إلى النّور، وجنبنا الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن.
قسم الأدعية
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور، ويعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور.