-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ١١٧غير أن الله الرّحيم بعباده لا يغلق منافذ الأمل، ولا يُسْلِم القلوب إلى اليأس والقنوط، فهو يقول بعد ذلك: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً اِلَى حِينٍ﴾ (يس:44). ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً اِنَّهُ’ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر:53).
فما على المسرفين إلاّ أن يلتمسوا مَجَالِي تلك الرّحمة، ويتعرّضوا لنفحاتها، ويطلبوها من مظانّها ومن مستودعاتها في الزّمان والمكان، ولا شكّ أن هذا الشّهر المبارك في قمة تلك المجالي وأغنى تلك المستودعات.
فليس رمضان بِدْعًا من الشّهور في هيئته الزّمانية والمكانية، فقد عدّه الله من الشّهور الإثني عشر في كتاب الله يوم خلق السّماوات والأرض، غير أن الذي ميّزه وأعلى قدره هو نزول القرآن فيه نورا وهدى للعالمين، وما أدراك ما نزول القرآن؟، إنّه الرّحمة المسداة، ونور الله الذي يُجْلِي الظّلمات: ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ’ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمُ (إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:15 - 16)
فلا عجب أن يعتبره رسول الله هو المخرج الوحيد لأمّته عندما تلفّها ظلمات الشّرّ والفساد، وذلك عندما سأله الإمام عليّ -كرّم الله وجهه- عن المخرج من تلك الظّلمات فقال له: (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله (.(1)
(1) 1 - تقدّم تخريجه، ص 46.