صوت المنبر (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

-صوت المنبر-3

الجزء ١ · صفحة ١١٩

فكلتا الآيتين تركّزان على خشية الله، وقد شخّصتا قوّة تأثيرها على كلّ من الإنسان والجماد، فلا مبالغة في ذلك، فكلاهما خلق لله هو أعلم بتكوينهما وبطبيعتهما. فإذا كانت قوّة الجبل تتمثّل في تماسك كتلته المادية القاسية، فإن تصدّعها وتناثر أجزائها من خشية الله ليمثل منتهى الخضوع والإجلال لعظمة الله. والإنسان كائن حيّ مزدوج التّكوين، وجلده هو الدّرع الواقي لمادة جسده زوّده الخالق بقوة الإحساس ليقوم بمهمة الإنذار المبكّر لكلّ خطر يداهم الجسم، كما أنّ قلبه هو مستودع المشاعر والأحاسيس، ومركز القيادة والتّوجيه لحركية الجسم كله. وبين الإنذار المبكّر من المجموعة العصبية للجلد، والاستجابة التّلقائية لمركز القيادة القلبية، يأتي العطف بـ"ثم": ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ (إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر:23).

يأتي هذا العطف للدّلالة على الرُّتَبِيَّة الحتمية بين المقدمة والنّتيجة، وهي اللّين لذكر الله والإخبات لجلاله، فهذا -أيها الإخوة المؤمنون- هو ملاك الأمر في التّعامل مع القرآن. وذلكم هو الفضل العظيم الذي حباه الله لصحابة رسوله، وهو يتلون القرآن غضّا طريّا، وتتجاوب قلوبهم مع آياته سمعاً وطاعةً، وحبًّا وانقياداً، ولهم في ذلك سجلّ حافل، لا ينكره إلا غبيّ جاهل.

فهذا عمر -رضي الله عنه- خرج يعسّ بالمدينة ذات ليلة، فمرّ بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلّي، فوقف يستمع قراءته وهو يقرأ: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ … ﴾ (الطور:1 - 2). حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَّا لَهُ’ مِن دَافِعٍ﴾ (الطور:7 - 8). قال عمر: قَسَمٌ وربّ الكعبة حَقٌّ، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليّا، ثم رجع إلى منزله فمكث شهرا يعوده النّاس ولا يدرون ما مرضه؟.

١١٩ / ١٥٤