-صوت المنبر-3
الجزء ١ · صفحة ١٢٠فهذا مَثَلٌ لرقّة القلب وشدّة إحساسه بخشية الله، لقد هزّه الوعيد الإلهي، واستهول ما عساه قد وقع فيه من أخطاء، فضاقت به الدّنيا وآثر أن يبتعد عن الأضواء.
فأين نحن من تلك الرّقة الخاشعة؟، ونحن لا يكاد أحدنا تخطئ مسامعه آيات القرآن في ليل أو نهار، وقلّما تهتزّ مشاعره لما يسمع، وبالتّالي يبقى حبيس إلفه وعاداته، وجليس شهواته ورغباته.
وهذا أحد أبطالنا "أبو حمزة الشّاري" رحمه الله يصف أصحابه كيف يتأثرون بسماع القرآن فيقول: " يا أهل مكة: تعيّرونني بأصحابي تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابا؟! نعم، شباب والله مكتهلون في شبابهم، عميّة عن الشّرّ أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في آناء اللّيل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النّار شهق كأن زفير جهنم في أذنيه. فقد وصلوا كَلاَل ليلهم بكَلاَلِ نهارهم، أَنْضَاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مُصْفَرَّة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصّيام وطول القيام، مستقلّون لذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله … ".
فيا شباب محمّد، ويا حماة الإسلام هكذا كونوا أو لا تكونوا …
الخطبة الثّانية